كتبت رندة صباحي.
لم يعد من السهل الحكم على حقيقة الصور بمجرد النظر إليها، بعدما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي وأصبحت قادرة على إنتاج مشاهد شديدة الواقعية لأشخاص وأماكن وأحداث قد لا تكون موجودة أصلًا. ومع انتشار هذه الصور بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، أصبح من الضروري التعامل معها بحذر، خصوصًا عندما تكون مصاحبة لخبر عاجل أو ادعاء مثير.
وقد تبدو الصورة في بعض الأحيان مقنعة إلى درجة تجعل اكتشاف التلاعب بها أمرًا صعبًا، لكن هناك مجموعة من الخطوات التي يمكن اتباعها لتكوين صورة أوضح عن مدى مصداقيتها، دون الحاجة إلى امتلاك خبرة تقنية متقدمة.
ابدأ بالسؤال: من أين جاءت الصورة؟
أول خطوة للتحقق من أي صورة هي معرفة مصدرها. فإذا ظهرت ضمن منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن مراجعة الحساب الذي نشرها وتاريخ النشر، ومعرفة ما إذا كان صاحب المنشور يقدم معلومات واضحة عن المكان والزمان والحدث الذي تظهر فيه الصورة.
ويجب الانتباه إلى الصور التي تنتشر دون أي تفاصيل، خاصة إذا كانت تحمل ادعاءً كبيرًا أو تصور حدثًا استثنائيًا. فغياب المصدر لا يعني أن الصورة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، لكنه يجعل التحقق منها أكثر أهمية.
كما يمكن البحث عن الخبر نفسه في مواقع موثوقة، ومعرفة ما إذا كانت هناك تقارير أو صور أخرى تؤكد وقوع الحدث.
دقق في الأشخاص الموجودين داخل الصورة
تعد الوجوه والأيدي من المناطق التي تستحق الفحص عند الشك في صورة ما.
يمكن تكبير الصورة ومراجعة شكل العينين والأسنان والأذنين والأصابع، وكذلك طريقة اتصال اليد بالأشياء التي تمسكها. وفي بعض الصور المولدة آليًا قد تظهر تفاصيل غير متناسقة، مثل أصابع غير طبيعية أو ملامح مختلفة بين جانبي الوجه.
لكن هذه العلامات لا تصلح وحدها للحكم على الصورة، لأن جودة الصورة أو ضغطها أثناء النشر قد يؤدي أيضًا إلى ظهور تفاصيل غير واضحة.
راقب الكتابة والشعارات
النصوص الموجودة داخل الصور تمثل نقطة أخرى يمكن التدقيق فيها.
فإذا كانت الصورة تحتوي على لافتة أو لوحة إعلانية أو اسم متجر أو شعار مؤسسة، فيمكن تكبير هذه المنطقة والتأكد من أن الحروف والكلمات تبدو طبيعية.
وقد تظهر في بعض الصور المولدة كلمات غير مفهومة أو حروف متداخلة أو شعارات قريبة من الشكل الحقيقي لكنها ليست مطابقة له. وإذا كانت الصورة مرتبطة بمكان معروف، يمكن مقارنة اللافتات والعلامات الموجودة فيها بالصور الحقيقية للمكان.
افحص الضوء والظلال
الضوء يعطي الكثير من المعلومات عن الصورة، ولذلك يمكن ملاحظة اتجاه الإضاءة والظلال التي تظهر خلف الأشخاص والأشياء.
إذا كان مصدر الضوء يأتي من اتجاه معين، فمن الطبيعي أن تتوافق الظلال مع هذا الاتجاه. أما وجود ظلال متناقضة أو انعكاسات لا تتناسب مع الأشياء الموجودة في المشهد، فقد يكون سببًا يدعو إلى المزيد من التحقق.
ويمكن أيضًا فحص المرايا والأسطح الزجاجية والمياه، لأن الانعكاسات تحتاج إلى توافق دقيق مع المشهد الأصلي.
ابحث عن الصورة على الإنترنت
من أكثر الطرق فائدة استخدام البحث العكسي عن الصور.
فبدلًا من البحث عن الكلمات التي تصف الصورة، يمكن استخدام الصورة نفسها لمعرفة المواقع أو الصفحات التي نشرت نسخة منها في وقت سابق.
وقد يكشف البحث أن الصورة قديمة وليست مرتبطة بالحدث الذي يروج له المنشور، أو أنها مأخوذة من فيلم أو إعلان أو مناسبة مختلفة.
وفي بعض الحالات قد تظهر النسخة الأصلية للصورة، وهو ما يساعد على معرفة ما إذا كانت النسخة المتداولة خضعت لتعديل أو تغيير.
قارن أكثر من مصدر
إذا كانت الصورة مرتبطة بحدث مهم، فلا تعتمد على المنشور الذي وجدتها فيه فقط.
ابحث عن الحدث باستخدام كلمات مختلفة، وراجع ما نشرته وسائل إعلام موثوقة أو الجهات الرسمية المعنية إذا كان الأمر يتعلق بحادث أو فعالية أو شخصية عامة.
وإذا كان الحدث حقيقيًا بالفعل، فمن المحتمل أن توجد له صور أو مقاطع فيديو أخرى من زوايا مختلفة. وجود مواد مستقلة ومتوافقة مع الصورة يزيد من قوة الادعاء، بينما قد يكون غياب أي تغطية مستقلة سببًا لمزيد من الحذر.
انتبه إلى تاريخ الصورة
أحيانًا تكون الصورة حقيقية تمامًا، لكن المشكلة تكمن في استخدامها خارج سياقها.
فقد تكون صورة التقطت قبل سنوات ويتم تداولها باعتبارها مشهدًا من حدث وقع اليوم. لذلك يجب التأكد من تاريخ الصورة ومكان التقاطها قبل ربطها بأي خبر.
وهنا يمكن أن يكون البحث العكسي مفيدًا، لأنه قد يكشف أقدم نسخة منشورة للصورة ويساعد على معرفة السياق الذي ظهرت فيه للمرة الأولى.
لا تعتمد على أدوات الكشف وحدها
توجد أدوات رقمية تحاول تحديد ما إذا كانت الصورة مصنوعة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويمكن استخدامها كوسيلة مساعدة، لكن نتائجها ليست دليلًا نهائيًا.
فقد تخطئ هذه الأدوات في تصنيف صورة حقيقية على أنها مولدة، أو لا تكتشف تعديلًا تم إجراؤه باستخدام أدوات حديثة. كما أن إعادة حفظ الصورة أو ضغطها عبر مواقع التواصل قد يؤثر في البيانات التي تعتمد عليها بعض أدوات الفحص.
ولهذا من الأفضل استخدام نتيجة الأداة إلى جانب فحص الصورة ومراجعة مصدرها والبحث عن معلومات مستقلة.
افصل بين الصورة والقصة
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن صحة الصورة تعني صحة كل ما كتب معها.
قد تكون الصورة أصلية بالفعل، لكن يتم وضعها بجانب نص كاذب أو استخدامها لإثبات واقعة لم تحدث. لذلك يجب التعامل مع الصورة والادعاء المصاحب لها باعتبارهما شيئين منفصلين.
اسأل أولًا: هل الصورة أصلية؟ ثم اسأل: هل القصة التي يرويها المنشور عنها صحيحة؟
لا تتعجل في إعادة النشر
كلما كانت الصورة مثيرة أو صادمة، زادت الحاجة إلى التمهل قبل مشاركتها.
فالذكاء الاصطناعي جعل إنتاج صور مقنعة أمرًا متاحًا على نطاق واسع، وأصبح من الممكن أن تنتشر صورة خلال دقائق قبل أن تتاح فرصة التحقق منها.
ولهذا فإن أفضل طريقة للتعامل مع الصور المشكوك فيها هي الجمع بين عدة مؤشرات: معرفة المصدر، فحص التفاصيل، مراجعة النصوص والانعكاسات، البحث العكسي، مقارنة المصادر، والتأكد من تاريخ ومكان الصورة.
وفي النهاية، لا توجد علامة واحدة تكشف كل الصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، كما أن التكنولوجيا تتطور باستمرار. لكن اتباع خطوات التحقق السابقة يقلل بدرجة كبيرة من احتمال الوقوع في فخ الصور المضللة، ويساعد المستخدم على اتخاذ قرار أكثر وعيًا قبل تصديق المحتوى أو إعادة نشره.







