كتبت رنده صباحي.
لم يكن رحيل المخرج والباحث والأكاديمي العراقي عوني كرومي قبل عقدين نهاية لمشروعه المسرحي، بقدر ما ترك وراءه تجربة ما زالت قادرة على فتح الأسئلة وإثارة الحوار؛ وهو ما استعادته القاهرة خلال ندوة «رد الجميل»، التي نظمها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ضمن فعاليات دورته الثالثة والثلاثين.
الندوة، التي أدارها الناقد والمسرحي العراقي بشار عليوي، جمعت عددًا من المسرحيين والنقاد والباحثين العراقيين، بينهم الدكتور محمد سيف، والدكتور رياض موسى سكران، والدكتور نورس عادل، إلى جانب نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي، وبحضور الدكتور سامح مهران رئيس المهرجان، في جلسة حملت طابعًا توثيقيًا وإنسانيًا لاستعادة مسيرة أحد أبرز الأسماء المؤثرة في المسرح العراقي والعربي.
وفي مستهل الندوة، أعاد بشار عليوي قراءة لقب «وسيط الثقافات» الذي ارتبط بكرومي، موضحًا أن هذا الوصف لم يأتِ لمجرد إقامته وتنقله بين العراق وألمانيا، وإنما نتيجة قدرته على نقل المعرفة والخبرة المسرحية بين البيئتين، وتحويل الاختلاف الثقافي إلى مساحة للتفاعل والحوار.
وأشار إلى أن كرومي، عقب دراسته في ألمانيا، لم يعد إلى العراق حاملًا نموذجًا جاهزًا لتطبيقه، بل أعاد صياغة ما تعلمه وفق أسئلة المسرح العراقي وخصوصيته، وربط بين التعليم الأكاديمي والتجربة العملية، وحوّل قاعات الدراسة إلى فضاءات للتدريب والمختبر المسرحي.
وأكد عليوي أن تجربة كرومي امتدت لاحقًا إلى ألمانيا، حيث واصل العمل والحوار مع المسرحيين هناك، وشارك في مشروعات هدفت إلى التقريب بين الثقافات، من بينها مشروع «طريق الحرير» مع مسرح الرور، ليصبح المسرح بالنسبة إليه وسيلة للتواصل وليس مجرد منصة للعرض.
واعتبر أن إرث كرومي الحقيقي لا يكمن فقط في عروضه وكتاباته، وإنما أيضًا في الأجيال التي ساهم في تكوينها، والطلاب والفنانين الذين ظل تأثيره حاضرًا في تجاربهم بعد رحيله.
واستعاد الدكتور محمد سيف الجانب الإنساني في شخصية كرومي، مؤكدًا أن قربه من طلابه وفريقه المسرحي جعله أقرب إلى زميل ورفيق تجربة منه إلى أستاذ تقليدي.
وأشار إلى أن تدريبات كرومي كانت تقوم على العمل الجماعي بين المخرج والممثل والسينوغراف والمصممين، في تجربة اقتربت من مفهوم المختبر المسرحي، حيث تتفاعل عناصر العرض وتتطور من خلال الممارسة.
وأوضح سيف أن تأثر كرومي بالمسرح البريختي لم يكن معناه نسخ التجربة الألمانية، بل إعادة توظيفها داخل السياق العراقي، وهو ما منحها خصوصية مختلفة.
ولفت إلى أن كرومي أسهم في ترسيخ مفاهيم بريخت داخل الثقافة المسرحية العراقية، مع الاستفادة من التراث المحلي واللغة الشعبية والموروث الثقافي، بما جعله قادرًا على تحويل المرجعيات العالمية إلى أدوات تخدم أسئلة البيئة التي يعمل داخلها.
كما دعا إلى إعادة تقديم أعمال كرومي للأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الاحتفاء بالرواد لا ينبغي أن يظل مجرد استعادة للذكريات، وإنما يجب أن يتحول إلى وسيلة لإعادة اكتشاف تجاربهم ودروسهم المسرحية.
من جانبه، وصف الدكتور رياض موسى سكران عوني كرومي بأنه شخصية شكلت جسرًا للحوار مع الآخر، مؤكدًا أن مشروعه تجاوز فكرة التواصل بين الثقافات إلى البحث عن الإنسان في مواجهة أسئلته وقلقه واغترابه.
واستعاد سكران عددًا من التجارب المسرحية التي رأى أنها تكشف عن نزعة كرومي المبكرة نحو التجريب، مؤكدًا أن أعماله لم تكن تكرر نفسها، بل كانت كل تجربة تفتح مسارًا جديدًا في اللغة المسرحية والرؤية الإخراجية.
وتوقف عند تجربة «صراخ الصمت الأخرس»، معتبرًا أنها قدمت معالجة جريئة لأسئلة القمع والحرب والعزلة والاغتراب، من خلال توظيف الجسد والصورة والسينوغرافيا ومفردات الفضاء المسرحي لصناعة حالة من الضغط النفسي والفكري على المتلقي.
وأكد أن المسرح لدى كرومي كان مساحة لطرح الأسئلة الإنسانية الكبرى، وليس مجرد إعادة تقديم للنصوص، وهو ما جعله صاحب تجربة متجددة ارتبطت بالواقع العراقي وتحولاته.
أما الدكتور نورس عادل، فأكد أن قراءة تجربة كرومي تكشف عن مشروع مسرحي يتجاوز حدود التجربة الفردية للمخرج، مشيرًا إلى قدرته على الجمع بين المعرفة النظرية والممارسة، وبين المرجعيات العالمية والخصوصية المحلية.
وأوضح أن كرومي اهتم بفكرة الوصول إلى جمهور أوسع، وتعامل مع اللغة الشعبية والأغنية والموروث بوصفها عناصر حية يمكن أن تدخل في تشكيل العرض المسرحي.
وأشار إلى أن من أهم سماته الإخراجية إعادة قراءة النصوص وإعادة إنتاجها داخل السياق الثقافي الذي يقدم فيه العمل، بدلًا من التعامل معها بوصفها مواد مغلقة لا تقبل التغيير.
واستشهد بعدد من عروضه، من بينها «ترنيمة الكرسي الهزاز» و«الإنسان الطيب في ستشوان»، مؤكدًا أن كرومي كان يعيد بناء المادة المسرحية وفق رؤيته وأسئلته، وهو ما جعل عروضه تحمل خصوصية واضحة حتى عندما تنطلق من نصوص عالمية.
ولفت إلى أن كرومي ظل حاضرًا في الذاكرة المسرحية العراقية والعربية، مشيرًا إلى أن الاحتفاء به في القاهرة يمثل إعادة وصل بين أجيال المسرحيين واستعادة لتجربة تستحق القراءة من جديد.
وتحدث الدكتور جبار جودي، نقيب الفنانين العراقيين، عن قربه من تجربة كرومي، مؤكدًا أن أبرز ما يميز مسيرته الإخراجية هو التنوع الشديد بين عروضه.
وأوضح أن مشاهدة أكثر من عمل لكرومي تكشف عن مخرج لا يكرر أدواته، حيث كان ينتقل من تجربة إلى أخرى برؤية مختلفة، مستفيدًا من إمكانات الخشبة والفضاء والممثل في بناء لغة جديدة لكل عرض.
واستعاد عددًا من تجاربه، من بينها «صراخ الصمت الأخرس» و«تساؤلات مسرحية» و«ترنيمة الكرسي الهزاز» و«الإنسان الطيب في ستشوان»، معتبرًا أن اختلاف هذه الأعمال يؤكد أن التجريب بالنسبة إلى كرومي لم يكن شعارًا، وإنما ممارسة فعلية.
وفي تعقيبه على الندوة، أكد الدكتور سامح مهران أن مسرح الهناجر بالقاهرة كان أحد المساحات المهمة التي احتضنت تجارب بارزة لعدد من المخرجين العراقيين.
وأشار إلى تقديم أعمال لجواد الأسدي وعوني كرومي وقاسم محمد على مسرح الهناجر، معتبرًا أن هذه التجارب تعكس عمق العلاقة بين المسرحين المصري والعراقي، وما جمعهما على مدار سنوات من حوار وتبادل وتأثير متبادل.
واستعاد مهران علاقته بكرومي، موضحًا أن اللقاءات التي جمعتهما لم تقتصر على العمل المسرحي، وإنما امتدت إلى نقاشات فكرية وثقافية عكست اهتمام الراحل بتطوير المسرح وفتح نوافذ جديدة أمام التجريب.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن استعادة عوني كرومي بعد عشرين عامًا من رحيله لا تعني استحضار الماضي فقط، وإنما إعادة طرح مشروعه أمام أجيال جديدة، بما يحمله من أسئلة حول علاقة المسرح بالمجتمع، ودور المعرفة في صناعة الفن، وقدرة المسرح على بناء جسور حقيقية بين الإنسان والثقافات.
وتقام الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، وتتضمن عروضًا مسرحية وبرنامجًا فكريًا وورشًا تدريبية وفعاليات موازية وإصدارات متخصصة في قضايا المسرح والتجريب.







