تقرير رنده صباحي.
لم تعد موجات الحر في ألمانيا مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بعدما تحولت خلال صيف 2026 إلى أحد أخطر التحديات الصحية التي واجهتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. فقد قدّر معهد روبرت كوخ عدد الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة بنحو 15 ألفاً و800 وفاة، خلال الفترة من 6 أبريل حتى 16 أغسطس، في أعلى حصيلة تسجلها سلسلة الرصد الأسبوعي المعتمدة منذ عام 2016.
وتظل هذه الحصيلة تقديراً إحصائياً وليست عدداً نهائياً لحالات الوفاة المسجلة مباشرة، إذ وضع المعهد نطاقاً تقديرياً يتراوح بين 14 ألفاً و500 و17 ألف وفاة. وتعكس هذه الأرقام الفارق بين معدلات الوفيات الفعلية خلال الأسابيع الحارة والمعدلات المتوقعة في الظروف المناخية المعتدلة.
تركزت معظم الوفيات خلال موجتين رئيستين ضربتا ألمانيا في الصيف. وشهد الأسبوع الممتد من 22 إلى 28 يونيو القفزة الأشد، بعدما ارتبطت الحرارة الاستثنائية خلاله بنحو 9 آلاف و600 وفاة، بالتزامن مع تجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية في عدد من المناطق.
وجاءت الموجة الثانية بين أواخر يوليو ومنتصف أغسطس، متسببةً في نحو 4 آلاف وفاة إضافية. ويشير هذا التركز الزمني إلى أن الارتفاع الحاد والمستمر في درجات الحرارة يمكن أن يرفع معدلات الوفاة خلال فترة قصيرة، خصوصاً بين أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن.
كشفت البيانات أن الفئات العمرية المتقدمة تحملت النصيب الأكبر من الخسائر؛ إذ قُدّرت الوفيات بين من تجاوزوا 85 عاماً بنحو 7 آلاف و960 حالة، بما يمثل أكثر من نصف الحصيلة الإجمالية.
وسجلت الفئة العمرية من 75 إلى 84 عاماً قرابة 3 آلاف و900 وفاة، مقابل نحو ألفين و440 وفاة بين من تراوحت أعمارهم من 65 إلى 74 عاماً، بينما بلغ العدد التقديري لمن هم دون 65 عاماً نحو ألف و470 وفاة.
كما سجلت النساء عدداً إجمالياً أعلى من الوفيات، وهو ما أرجعه المعهد إلى ارتفاع نسبتهن داخل الفئات العمرية الأكبر سناً، وليس بالضرورة إلى اختلاف مباشر في التأثر بالحرارة بين النساء والرجال.
نادراً ما تُدرج الحرارة باعتبارها السبب الرئيسي للوفاة في السجلات الرسمية، باستثناء بعض الحالات المباشرة مثل ضربات الشمس. وفي معظم الحالات، يؤدي الإجهاد الحراري إلى تفاقم أمراض موجودة مسبقاً، خصوصاً أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي والكلى.
ولهذا يعتمد معهد روبرت كوخ على نموذج إحصائي يجمع بين بيانات الوفيات الأسبوعية ودرجات الحرارة المسجلة في 52 محطة تابعة لهيئة الأرصاد الجوية الألمانية. ويقارن النموذج عدد الوفيات الفعلي بالعدد المتوقع في غياب التأثير الحراري، للوصول إلى تقدير أقرب لحجم الوفيات المرتبطة بالطقس شديد الحرارة.
تجاوزت حصيلة صيف 2026 الرقم الأعلى السابق ضمن سلسلة الرصد الحالية، والمسجل خلال عام 2018 بنحو 9 آلاف و500 وفاة. كما تفوقت بفارق واسع على عام 2019، الذي شهد نحو 7 آلاف و600 وفاة مرتبطة بالحرارة.
ولا تزال أرقام صيف 2026 قابلة للتحديث مع استكمال البيانات المتأخرة ومراجعة النموذج الإحصائي، إلا أن الحصيلة المعلنة حتى منتصف أغسطس تكشف بالفعل عن صيف استثنائي ترك تأثيراً صحياً بالغاً، وأظهر أن موجات الحرارة الممتدة لم تعد تُقاس بدرجات الحرارة وحدها، بل بعدد الأرواح التي تفقدها المجتمعات خلال أسابيع معدودة.







