كتبت هينار ثروت.
تتجه منصات التواصل الاجتماعي إلى مرحلة جديدة في طريقة تعامل المستخدمين مع المحتوى، في ظل تصاعد المطالب بمنح الأشخاص قدرة أكبر على التحكم فيما يظهر أمامهم بدلًا من ترك الخوارزميات تحدد بصورة شبه كاملة طبيعة المنشورات ومقاطع الفيديو التي تصل إليهم.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع توجهات تنظيمية جديدة في عدد من الدول، من بينها أستراليا، التي طرحت مشروع قواعد يمنح مستخدمي المنصات خيارًا بين متابعة المحتوى الذي تقترحه الخوارزميات بناءً على اهتماماتهم، أو الاكتفاء بالمحتوى المنشور من الحسابات والأشخاص الذين اختاروا متابعتهم.
الخوارزميات تحت دائرة الضوء
تعتمد منصات مثل فيسبوك وإنستجرام وتيك توك بدرجة كبيرة على أنظمة توصية تعمل على تحليل سلوك المستخدم، بما في ذلك المقاطع التي يشاهدها، والمنشورات التي يتفاعل معها، والحسابات التي يتابعها، والموضوعات التي يقضي وقتًا أطول في تصفحها.
وبناءً على هذه البيانات، تعمل الخوارزميات على ترتيب المحتوى واقتراح منشورات ومقاطع جديدة بهدف تقديم تجربة أكثر توافقًا مع اهتمامات كل مستخدم.
لكن هذا النموذج أثار خلال السنوات الماضية نقاشًا واسعًا حول مدى تأثير الخوارزميات في سلوك المستخدمين، خصوصًا عندما تؤدي التوصيات المتتالية إلى حصر الشخص داخل دائرة ضيقة من الموضوعات أو دفعه إلى مشاهدة كميات كبيرة من المحتوى المتشابه.
خيار جديد أمام المستخدمين
وتستهدف القواعد المقترحة في أستراليا منح المستخدمين فوق 16 عامًا إمكانية إيقاف التوصيات المعتمدة على الخوارزميات واختيار خلاصة محتوى تقتصر على المنشورات القادمة من الأصدقاء والحسابات وصناع المحتوى الذين يتابعونهم. كما يمكن للمستخدم العودة إلى الخلاصة المخصصة خوارزميًا في أي وقت.
ويعني هذا التوجه أن المستخدم لن يكون مضطرًا إلى قبول الطريقة التي تحدد بها المنصة ترتيب المحتوى، وإنما يحصل على مساحة أكبر لاختيار شكل تجربته الرقمية.
وتتضمن المقترحات أيضًا إلزام المنصات بإبلاغ المستخدمين بخيارات الخلاصة المتاحة أمامهم بصورة واضحة، بدلًا من إخفاء هذه الخيارات داخل إعدادات يصعب الوصول إليها.
لماذا تزداد أهمية التحكم في المحتوى؟
يرتبط الجدل حول الخوارزميات بقدرتها على تحديد المحتوى الذي يحظى باهتمام المستخدم. فكلما تفاعل الشخص مع نوع معين من المنشورات، يمكن أن يحصل على المزيد من المحتوى المشابه، وهو ما قد يؤثر في طبيعة تجربته على المنصة.
وفي المقابل، يرى مؤيدو منح المستخدمين مزيدًا من السيطرة أن الخلاصة التي تعتمد على الحسابات التي يتابعها الشخص فقط قد تمنحه تجربة أكثر وضوحًا وأقل اعتمادًا على أنظمة التوصية.
ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء الخوارزميات من منصات التواصل، وإنما يفتح الباب أمام نموذج يمنح المستخدم فرصة اختيار مستوى الاعتماد عليها.
تيك توك والمنصات القصيرة
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى منصات الفيديو القصير، وعلى رأسها تيك توك، الذي يعتمد بشكل أساسي على صفحة «For You» لتقديم مقاطع تتوافق مع اهتمامات كل مستخدم.
وكانت طريقة عمل خوارزمية التوصيات في تيك توك محل اهتمام وانتقادات متكررة، خصوصًا فيما يتعلق بتكرار أنواع معينة من المحتوى أمام المستخدمين. وكشفت تقارير سابقة عن تجارب للمنصة هدفت إلى الحد من ظهور أنماط متكررة من المقاطع في صفحة «لك».
حماية المستخدمين وتقليل الأضرار
ولا يرتبط الجدل بالخوارزميات وحدها، إذ تتضمن المبادرات التنظيمية الجديدة في أستراليا إجراءات أوسع لحماية المستخدمين، خاصة الأطفال والمراهقين، من المحتوى الضار وبعض خصائص التصميم التي قد تشجع على الاستخدام المفرط.
وتتضمن المقترحات ما يعرف بـ«واجب الرعاية الرقمية»، مع منح الجهة المختصة صلاحيات أكبر للتعامل مع المحتوى الضار، وفرض غرامات كبيرة على الشركات التي لا تلتزم بالقواعد الجديدة.
مستقبل منصات التواصل
ويبدو أن العلاقة بين المستخدم والخوارزمية تدخل مرحلة مختلفة، بعدما أصبح النقاش لا يركز فقط على نوعية المحتوى المتاح، وإنما أيضًا على حق المستخدم في تحديد الطريقة التي يصل بها هذا المحتوى إليه.
ومع استمرار الضغوط التنظيمية وتزايد الوعي بتأثير أنظمة التوصية، قد تضطر منصات التواصل الكبرى إلى تقديم أدوات أكثر وضوحًا للتحكم في الخلاصات والتوصيات.
وبذلك، يمكن أن يصبح اختيار المستخدم بين المحتوى المخصص خوارزميًا والمحتوى الذي يختاره بنفسه جزءًا أساسيًا من تجربة استخدام فيسبوك وإنستجرام وتيك توك وغيرها من المنصات خلال الفترة المقبلة.







