كتبت هينار ثروت.
تدخل الروبوتات مرحلة جديدة في تطورها مع سعي شركات التكنولوجيا إلى منحها قدرات تتجاوز تنفيذ الأوامر المحددة مسبقًا، لتصبح أكثر قدرة على فهم البيئة المحيطة واتخاذ القرارات والتعامل مع المهام المعقدة. وفي هذا السباق، تعمل جوجل على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي يمكن أن تمثل ما يشبه «العقل» للروبوت، بحيث لا يقتصر دوره على الحركة، وإنما يشمل فهم ما يراه والتخطيط لما يجب فعله.
الفكرة الأساسية تقوم على دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي مع الروبوتات، بحيث تستطيع الآلة استقبال تعليمات بشرية طبيعية، ثم ترجمتها إلى سلسلة من الخطوات التي يمكن تنفيذها في العالم الحقيقي. ويمثل هذا تحولًا مهمًا عن الروبوت التقليدي الذي يحتاج غالبًا إلى برمجة دقيقة لكل حركة أو مهمة.
من تنفيذ الأوامر إلى فهم البيئة
الروبوتات التقليدية تستطيع تنفيذ مهام محددة بكفاءة، لكنها تواجه صعوبة عندما تتغير الظروف المحيطة بها. فإذا تغير مكان أحد الأشياء أو ظهرت عقبة غير متوقعة، قد تحتاج الآلة إلى تعليمات جديدة.
أما الروبوت المدعوم بنموذج ذكاء اصطناعي متقدم، فيمكنه تحليل المعلومات القادمة من الكاميرات والمستشعرات ومحاولة فهم السياق العام للمشهد. وبدلًا من التعامل مع كل عنصر باعتباره مجرد نقطة أو جسم، يمكن للنظام محاولة تحديد ماهية الأشياء وعلاقتها ببعضها.
وهنا تظهر أهمية ما تطوره جوجل من نماذج مخصصة للروبوتات، لأنها تهدف إلى ربط القدرة على فهم اللغة والصور بالقدرة على تنفيذ الأفعال.
«العقل» الذي يربط الرؤية بالحركة
تحتاج الروبوتات إلى أكثر من نموذج لغوي يستطيع الإجابة عن الأسئلة. فالروبوت موجود في عالم مادي، ولذلك يجب أن يعرف أين يوجد، وما الموجود أمامه، وما الذي يستطيع الإمساك به، وكيف يتحرك دون الاصطدام بالأشياء.
ولهذا تعمل أبحاث جوجل للروبوتات على ما يعرف بنماذج الرؤية واللغة والفعل، التي تحاول الربط بين ما يراه الروبوت وما يفهمه من التعليمات وما يجب أن ينفذه فعليًا.
فعلى سبيل المثال، إذا تلقى الروبوت أمرًا بوضع كوب على الطاولة، فالمطلوب ليس فقط فهم كلمة «كوب» أو «طاولة»، وإنما تحديد مكان الكوب، والتقاطه بطريقة مناسبة، وتحديد موقع الطاولة، ثم تحريك الذراع والجسم وفق مسار آمن.
التعلم من الخبرة
من أكبر التحديات أمام الروبوتات أن العالم الحقيقي مليء بالمواقف غير المتوقعة. ويمكن أن يكون الشيء في مكان مختلف عما اعتاده الروبوت، أو قد تكون هناك عوائق تمنع تنفيذ المهمة بالطريقة المعتادة.
وتساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على جعل الروبوت أكثر قدرة على التكيف من خلال التعلم من البيانات والخبرات السابقة. وكلما حصل النظام على أمثلة أكثر عن كيفية تنفيذ المهام، أصبح لديه مخزون أكبر يمكن الاستفادة منه عند مواجهة موقف جديد.
ولا يعني ذلك أن الروبوت «يفكر» بالطريقة نفسها التي يفكر بها الإنسان، وإنما يمتلك أنظمة حسابية متقدمة تستطيع تحليل المعلومات وتوقع الخطوات المناسبة وفق البيانات التي تدربت عليها.
فهم اللغة الطبيعية
تعد القدرة على فهم اللغة البشرية من أهم التطورات التي يمكن أن تغير طريقة تعامل الناس مع الروبوتات. ففي الماضي كان المستخدم يحتاج إلى تعليمات دقيقة أو واجهات تحكم محددة.
أما مع نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، فيمكن أن تصبح التعليمات أكثر طبيعية. يستطيع المستخدم إعطاء أمر عام، بينما يحاول النظام تقسيمه إلى خطوات قابلة للتنفيذ.
وهذا يفتح الباب أمام استخدام الروبوتات في المنازل والمصانع والمخازن والمستشفيات وغيرها من البيئات التي تتطلب التعامل مع البشر.
لماذا تحتاج جوجل إلى الروبوتات؟
تمتلك جوجل خبرة كبيرة في الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية ومعالجة اللغة، لكن نقل هذه القدرات إلى العالم المادي يمثل تحديًا مختلفًا تمامًا.
فالذكاء الاصطناعي الذي يعمل داخل جهاز كمبيوتر يمكنه إنشاء نص أو تحليل صورة خلال لحظات، لكن الروبوت يجب أن يتعامل مع قوانين الفيزياء، والوزن، والتوازن، والمسافات، وسلامة الأشخاص الموجودين حوله.
ولهذا فإن تطوير «عقل» للروبوت يتطلب الجمع بين عدة مجالات، من بينها الذكاء الاصطناعي والروبوتات والرؤية الحاسوبية والتحكم في الحركة.
الروبوتات في المصانع والمخازن
يمكن أن تكون التطبيقات الصناعية من أول المجالات التي تستفيد من هذه التكنولوجيا. فالروبوتات تستخدم بالفعل في المصانع والمخازن، لكن زيادة قدرتها على فهم البيئة قد تجعلها أكثر مرونة.
فبدلًا من تنفيذ مهمة واحدة طوال الوقت، يمكن للروبوت المدعوم بالذكاء الاصطناعي التعامل مع مجموعة أكبر من المهام، مثل نقل الأشياء وفرزها أو ترتيبها، مع القدرة على التكيف مع تغييرات بسيطة في البيئة.
ويمكن لهذه المرونة أن تقلل الحاجة إلى إعادة برمجة الروبوت بالكامل عند تغيير خط الإنتاج أو طبيعة المهمة.
الاستخدام المنزلي.. حلم لم يكتمل بعد
تبدو فكرة الروبوت المنزلي القادر على تنفيذ الأوامر اليومية جذابة، لكن المنزل يعد من أصعب البيئات التي يمكن للروبوت العمل فيها. فالمنازل تختلف في التصميم، والأشياء تتغير أماكنها باستمرار، وهناك أطفال وحيوانات وأشخاص يتحركون بصورة عشوائية.
ولهذا فإن نجاح الروبوتات في البيوت يتطلب مستوى مرتفعًا من الفهم والسلامة. ويجب أن يكون الروبوت قادرًا على التمييز بين الأشياء والتعامل معها بحذر، خصوصًا عندما تكون بالقرب من الأشخاص.
التحديات والخصوصية
مع زيادة قدرات الروبوتات، تظهر أسئلة مهمة حول الخصوصية والأمان. فالروبوت الذي يرى ويسمع البيئة المحيطة به قد يتعامل مع معلومات شخصية كثيرة.
كما أن منح آلة القدرة على اتخاذ قرارات وتنفيذ أفعال في العالم الحقيقي يفرض ضرورة وجود أنظمة أمان قوية تمنعها من تنفيذ أوامر خطرة أو غير مقصودة.
وتحتاج هذه الأنظمة أيضًا إلى آليات واضحة للتعامل مع الحالات التي لا يفهم فيها الروبوت المطلوب منه، بدلًا من اتخاذ قرار عشوائي.
مستقبل الروبوتات الذكية
تسير صناعة الروبوتات باتجاه جعل الآلات أكثر قدرة على التعلم والتكيف، بدلًا من الاعتماد الكامل على البرمجة التقليدية. وإذا نجحت نماذج الذكاء الاصطناعي في الربط بين اللغة والرؤية والحركة بصورة موثوقة، فقد نشهد روبوتات تستطيع تنفيذ مهام متنوعة بعد تلقي تعليمات بسيطة من الإنسان.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى اختبارات واسعة، لأن الخطأ في العالم الحقيقي قد تكون عواقبه أكبر من الخطأ في برنامج أو تطبيق.
وفي النهاية، لا يعني الحديث عن أن الروبوتات «بدأت تفكر» أنها أصبحت تمتلك عقلًا بشريًا، وإنما يشير إلى انتقالها نحو مرحلة تستطيع فيها نماذج الذكاء الاصطناعي مساعدتها على فهم البيئة والتخطيط للمهام وربط التعليمات بالأفعال. وتراهن جوجل على هذه الفكرة لتطوير جيل جديد من الروبوتات التي لا تكتفي بالحركة، بل تستطيع فهم ما يحدث حولها والتكيف معه وتنفيذ مهام أكثر تعقيدًا في العالم الحقيقي.







