كتب محمد الصناديلي.
احتفى مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في مستهل فعاليات دورته الثالثة والثلاثين، بالتجربة الإبداعية والفكرية للمسرحي والباحث السوداني الدكتور يوسف عايدابي، خلال ندوة حملت عنوان «رد الجميل»، جمعت عددًا من رموز المسرح والثقافة العربية، للوقوف على أبرز محطات مسيرته وما تركه من تأثير في المشهد المسرحي والأكاديمي والثقافي.

وشهدت الندوة، التي أدارها السفير والفنان علي المهدي، مشاركة الدكتور عادل حربي، والدكتور شمس الدين يونس، والمخرج حاتم محمد علي، إلى جانب الكاتب المسرحي إسماعيل عبد الله، حيث تناول المتحدثون جوانب متعددة من تجربة عايدابي، بداية من مشروعه الفكري والمسرحي، مرورًا بإسهاماته الأكاديمية والتوثيقية، وصولًا إلى حضوره المؤثر في الحياة الثقافية بالسودان والإمارات.
علي المهدي: عايدابي من رواد الحركة الفنية العربية
استهل علي المهدي اللقاء بالتأكيد على خصوصية الاحتفاء بعايدابي في القاهرة، معتبرًا أن المناسبة تمثل فرصة لاستعادة قيمة أحد الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح الحركة الفنية العربية.
وأشار إلى أن تجربة عايدابي لم تعتمد على مجال واحد، وإنما تحركت بين الفنون والأدب والنقد والبحث، بما منحه حضورًا ممتدًا وقدرة على فتح مساحات جديدة أمام فنون الأداء والتجريب.
وأوضح أن اختيار «رد الجميل» عنوانًا للندوة يعكس الرغبة في تقدير ما قدمه عايدابي على مدار سنوات طويلة، ليس فقط للمسرح السوداني، وإنما للحركة الثقافية العربية بصورة أوسع.

عادل حربي: التراث السوداني تحول إلى مشروع إبداعي
من جانبه، قدم الدكتور عادل حربي قراءة في المشروع الثقافي والفكري ليوسف عايدابي، مؤكدًا أن تجربته تجاوزت حدود التخصص الواحد، بعدما جمع بين الشعر والنقد والبحث المسرحي والسينمائي والعمل الثقافي.
وأوضح حربي أن عايدابي كان من الأسماء المرتبطة بتيار «الغابة والصحراء»، الذي سعى إلى التعبير عن خصوصية الهوية السودانية عبر الجمع بين روافدها العربية والأفريقية، معتبرًا أن التنوع الثقافي كان بالنسبة إليه عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمع وترسيخ قيم التعايش.

وأضاف أن عايدابي تعامل مع التراث باعتباره مادة حية قابلة لإعادة الاكتشاف والتوظيف، واستفاد في تجربته المسرحية من الأسطورة والطقوس الشعبية والشعر والغناء والحركة، بحثًا عن أشكال فنية تتجاوز القوالب التقليدية وتمنح المسرح مساحة أوسع للتجريب.
ولفت إلى أن مشروعه لم يتوقف عند الإنتاج الإبداعي، بل امتد إلى البحث والتوثيق والأرشفة، بما أسهم في الحفاظ على جانب مهم من الذاكرة الثقافية السودانية.

شمس الدين يونس: الأكاديمية كانت مشروعًا للمعرفة
وتناول الدكتور شمس الدين يونس الجانب الأكاديمي من مسيرة عايدابي، مؤكدًا أن وجوده داخل المؤسسة التعليمية لم يكن مرتبطًا بالمنصب، وإنما ارتبط بمشروع يسعى إلى تطوير المعرفة المسرحية وربطها بالواقع الثقافي والاجتماعي السوداني.
وأوضح أن عايدابي تولى عددًا من المسؤوليات الأكاديمية في معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، وصولًا إلى عمادة المعهد، وخلال تلك الفترة عمل على تطوير المناهج وربطها بخصوصية المسرح السوداني، مع الانفتاح في الوقت نفسه على أحدث الاتجاهات والمعارف المسرحية.
وأشار إلى اهتمامه بإدخال مجالات معرفية مساندة، من بينها الفلسفة وعلم الجمال وتاريخ المسرح، والاستفادة من خبرات أكاديمية متنوعة، بما ساهم في بناء تجربة تعليمية أكثر اتساعًا.
وكشف يونس أن تقريرًا أعده الدكتور نبيل الألفي عن المؤسسة أشاد بما وصفه بـ«البنيان المعرفي المكتمل»، وهو ما يعكس جانبًا من طبيعة المشروع الذي سعى عايدابي إلى ترسيخه.
وأكد أن من أبرز أفكاره كسر الحاجز بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الشعبية، وإتاحة المجال أمام أصحاب التجارب الفنية والحياتية للمشاركة في إنتاج المعرفة، إلى جانب إيمانه بأن توثيق المسرح يمثل حماية لذاكرة المجتمع من الضياع.
حاتم محمد علي: توثيق المسرح السوداني مسؤولية
وفي السياق ذاته، استعرض الفنان السوداني حاتم محمد علي تجربة مركز التنمية الإعلامية منذ تأسيسه عام 2000، موضحًا أن المركز جعل من البحث والتوثيق جزءًا أساسيًا من عمله في خدمة المسرح السوداني.
وأشار إلى إطلاق جائزة تحمل اسم الدكتور يوسف عايدابي للبحث المسرحي، بهدف تشجيع الباحثين الشباب والخريجين الجدد على دراسة تاريخ المسرح السوداني والاشتغال على مصادره ووثائقه.
وأوضح أن المركز أصدر أكثر من 40 عنوانًا تناولت جوانب مختلفة من المسرح السوداني، وشملت أبحاثًا ودراسات ووثائق ومخطوطات، لتشكل في مجموعها رصيدًا معرفيًا يساعد على قراءة تاريخ الحركة المسرحية وتطورها.
وكشف محمد علي عن إطلاق موقع إلكتروني جديد للمركز يتيح للباحثين والمهتمين الوصول إلى عدد من الدراسات والمخطوطات والمواد البحثية، في خطوة تستهدف توسيع نطاق إتاحة المعرفة المسرحية وحفظها للأجيال المقبلة.
يوسف عايدابي: مصر والشارقة محطتان في مسيرتي
وفي كلمته خلال الندوة، أعرب الدكتور يوسف عايدابي عن تقديره لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وإدارته، مؤكدًا أن الاحتفاء به يمثل في الوقت ذاته احتفاءً بالسودان وتاريخه الثقافي والفني.
ووجه الشكر إلى مصر، التي وصفها بأنها إحدى أهم روافد العلم والمعرفة التي أثرت تجربته، مشيرًا إلى أن علاقته بها ارتبطت بمحطات معرفية وثقافية تركت أثرًا في مسيرته.
كما استعاد عايدابي تجربته الطويلة في الشارقة، مؤكدًا أنها شكلت مرحلة مهمة في حياته المهنية، وأن البيئة الثقافية التي وجدها هناك أتاحت له العمل إلى جانب عدد كبير من المثقفين والمبدعين العرب والإماراتيين.
وأشاد بالدور الذي لعبه الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، في دعم الثقافة والمسرح، معتبرًا أن إيمانه بالمشروع الثقافي وفر للمبدعين مساحة حقيقية للعمل وتحمل المسؤولية والإنجاز.
وأكد عايدابي أن تجربته عبر محطات مختلفة عززت لديه قناعة بأن المسرح ليس مجرد ممارسة فنية، وإنما مسؤولية ثقافية وفكرية، مشددًا على ضرورة منح المبدعين مساحة للخيال والتجريب وصناعة رؤى جديدة تتجاوز الأطر التقليدية.
إسماعيل عبد الله: الأب والمعلم وراء أجيال إماراتية
من جانبه، وصف الكاتب المسرحي إسماعيل عبد الله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، يوسف عايدابي بأنه شخصية ذات أثر إنساني وثقافي يتجاوز حدود تجربته السودانية.
وأوضح أن عايدابي ترك بصمة واضحة في الحياة الثقافية الإماراتية منذ عمله في جريدة «الخليج» خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث أسهم في التعريف بعدد من المواهب والأصوات الأدبية الجديدة.
وأكد عبد الله أن علاقته بعايدابي تجاوزت إطار العمل الثقافي، معتبرًا إياه معلمًا وأبًا وموجهًا احتضن أجيالًا من المبدعين، وحرص على متابعة تجاربهم وتقديم الدعم لهم.
وأشار إلى إسهاماته في الحياة الثقافية بالشارقة، ودوره في تأسيس معرض الشارقة الدولي للكتاب، إلى جانب تحويل منزله إلى مساحة مفتوحة تجمع المثقفين والكتاب والمبدعين.
وأضاف أن عايدابي كان يؤمن بأن المعرفة حق مشترك، ولذلك حرص على مساعدة الشباب في الوصول إلى الكتب والمصادر الثقافية، وترك أثرًا لا يرتبط فقط بما كتبه أو أنجزه، وإنما بمن ساعدهم على اكتشاف طريقهم الإبداعي.
وتتواصل فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، عبر برنامج متنوع يضم عروض المسابقة الرسمية، والندوات الفكرية، والورش التدريبية، والفعاليات الموازية، إلى جانب إصدارات متخصصة تتناول قضايا المسرح والتجريب.







