رموز مؤثرة يوثقها قلم رنده صباحي.
ليست كل سيرة فنية مجرد مجموعة من التواريخ والأفلام والنجاحات، فبعض السير تحمل بين سطورها عمرًا كاملًا من التحولات؛ بداية جاءت مبكرًا، ونجومية لم تكن في الحسابات الأولى، واختيارات صنعت مكانة، ثم ابتعاد هادئ عن المشهد، قبل أن تأتي الحياة بصفحات لا يملك الإنسان أمامها سوى الصبر.
هكذا تبدو حكاية الفنانة نجلاء فتحي؛ واحدة من الوجوه التي ارتبط بها الجمهور المصري والعربي لسنوات طويلة، قبل أن تختار أن تترك الأضواء خلفها، وتعيش بعيدًا عن صخب الشهرة.
ومع رحيل ابنتها الوحيدة ياسمين في أغسطس 2026، عاد اسم نجلاء فتحي إلى الواجهة من جديد، لكن بصورة مختلفة تمامًا؛ هذه المرة لم تكن الشاشة هي التي تستدعيها، وإنما كانت الإنسانية هي التي أعادت الجمهور إلى سيرتها، وإلى امرأة عرفها الناس نجمة، ثم رأوها في أقسى أدوار الحياة: أمًا تواجه فقد ابنتها.
ولدت نجلاء فتحي في 21 ديسمبر 1951، واسمها الحقيقي فاطمة الزهراء حسين أحمد فتحي.
لم تبدأ علاقتها بالفن بعد سنوات طويلة من البحث عن فرصة، بل جاءت البداية وهي في سن صغيرة، عندما لفتت أنظار المنتج عدلي المولد، الذي اكتشفها في الإسكندرية.
كان دخولها إلى عالم السينما وهي في الخامسة عشرة من عمرها بداية لرحلة لم تكن تعرف وقتها إلى أين ستصل.
وجاء التشجيع من الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، الذي ارتبط بعلاقة صداقة مع أسرتها، وكان من الأشخاص الذين شجعوها على خوض التجربة الفنية، كما ارتبط اسمه باختيار اسم «نجلاء» الذي أصبح عنوان رحلتها أمام الجمهور.
ظهرت نجلاء فتحي للمرة الأولى على شاشة السينما من خلال فيلم «الأصدقاء الثلاثة» عام 1966.
لم يكن الظهور الأول بطولة، لكنه كان بداية حقيقية لوجه جديد سرعان ما أصبح معروفًا لدى الجمهور.
وبعد عامين فقط، جاءت البطولة في فيلم «أفراح» عام 1968، لتدخل مرحلة مختلفة، وتبدأ ملامح النجمة الشابة في الظهور بوضوح.
ومنذ ذلك الوقت، توالت مشاركاتها السينمائية، وأصبحت نجلاء فتحي واحدة من الأسماء البارزة في السينما المصرية، ولم تعد صورتها مرتبطة فقط بالبطلة الرومانسية، وإنما امتدت اختياراتها إلى شخصيات وتجارب أكثر تنوعًا.
خلال مسيرتها الفنية، قدمت نجلاء فتحي مجموعة من الأفلام التي بقيت حاضرة لدى جمهور السينما، من بينها «دمي ودموعي وابتسامتي» و«رحلة النسيان» و«حب وكبرياء» و«أذكريني» و«أنف وثلاث عيون» و«الوفاء العظيم».
كما جمعتها أعمال متعددة بالفنان الراحل محمود ياسين، وشكل الاثنان ثنائيًا فنيًا عرفه الجمهور وارتبط بعدد من الأفلام الناجحة.
لكن المسيرة لم تتوقف عند المساحة الرومانسية التي صنعت جزءًا من شهرتها.
في مراحل مختلفة، قدمت نجلاء شخصيات أكثر قربًا من الواقع، ومن بينها تجربتها في فيلم «أحلام هند وكاميليا» للمخرج محمد خان، أمام الفنان أحمد زكي، في عمل منحها مساحة مختلفة لإظهار قدراتها كممثلة.
وهنا تظهر قيمة تجربتها؛ فالجمال كان جزءًا من حضورها، لكنه لم يكن كل ما تملكه أمام الكاميرا.
بعد سنوات طويلة من العمل، بدأت نجلاء فتحي تبتعد تدريجيًا عن الحياة الفنية، حتى كان عام 2000 محطة فاصلة في علاقتها بالسينما.
منذ ذلك الوقت، اختارت الابتعاد عن التمثيل وعن الظهور المتكرر، وأصبحت حياتها أكثر هدوءًا وأبعد عن الإعلام.
لم تحاول أن تحافظ على حضورها بأي ثمن، ولم تجعل الغياب وسيلة للعودة، بل أصبح الابتعاد جزءًا من اختيارها الشخصي.
وهكذا تحولت نجلاء فتحي من نجمة تملأ الشاشة إلى اسم لا يحتاج إلى الظهور كي يظل حاضرًا.
في الجانب الشخصي من حياتها، كان زواجها من الإعلامي والكاتب الصحفي الراحل حمدي قنديل واحدًا من أبرز فصول حياتها.
ارتبط الاثنان بعلاقة امتدت سنوات، وظلت تفاصيلها في معظم الوقت بعيدة عن الاستعراض الإعلامي.
ورحل حمدي قنديل عام 2018، لتغلق نجلاء صفحة أخرى من حياتها بعيدًا عن الأضواء.
ولا تحتاج هذه العلاقة إلى الكثير من التفاصيل، لأنها تظل جزءًا خاصًا من حياة صاحبتها، والأهم في سيرتها أن نجلاء عرفت كيف تحافظ على المسافة بين شهرتها وبين خصوصيتها.
ياسمين.. الجزء الأكثر خصوصية في حياتها
بعيدًا عن السينما، كانت هناك حياة أخرى لنجلاء فتحي لا يعرف الجمهور تفاصيلها كثيرًا؛ حياة الأم.
رزقت بابنتها الوحيدة ياسمين سيف الله أبو النجا من المهندس سيف الله أبو النجا.
اختارت ياسمين، مثل والدتها، لكن بطريقة مختلفة تمامًا، أن تظل بعيدة عن الأضواء، فلم تدخل عالم الفن ولم تجعل شهرة والدتها جزءًا من حياتها العامة.
وبقيت العلاقة بين الأم وابنتها داخل المساحة الخاصة التي لا تصل إليها الكاميرات.
أغسطس 2026.. الصفحة الأكثر قسوة
في 30 أغسطس 2026، جاء الخبر الذي لم يكن يشبه أي خبر ارتبط باسم نجلاء فتحي من قبل.
رحلت ابنتها الوحيدة ياسمين إثر أزمة قلبية مفاجئة، في صدمة قاسية للأسرة، وأعلن والدها سيف الله أبو النجا خبر وفاتها.
وفي جنازتها، ظهرت نجلاء فتحي أمام الناس في صورة مختلفة تمامًا عن الصورة التي حفظها الجمهور طوال عقود.
لم تكن هناك كاميرا سينمائية، ولا مشهد مكتوب، ولا شخصية تؤديها.
كانت هناك أم فقط، تقف أمام حقيقة فقدان ابنتها.
وهنا تحديدًا يصبح الحديث عن النجومية أقل أهمية، لأن هناك لحظات في حياة الإنسان تسقط أمامها كل الألقاب.
الجمهور الذي عرفها من خلال الأفلام، وتابعها وهي شابة على الشاشة، ثم شاهدها تبتعد عن الفن، وجد نفسه هذه المرة أمام جانب مختلف منها تمامًا.
فقدان الابنة ليس حكاية فنية، ولا خبرًا عابرًا، وإنما وجع إنساني لا يمكن وصفه بسهولة.
ولهذا لم يكن حضور نجلاء في وداع ياسمين مجرد ظهور لنجمة كبيرة، بل كان لحظة إنسانية جعلت الجمهور يتذكر أن وراء كل اسم مشهور إنسانًا له قلب وأسرة وذكريات وأوجاع لا يعرفها الناس.
نجلاء فتحي.. ما الذي تركته خلفها؟
تركت نجلاء فتحي وراءها سنوات طويلة من العمل، وأفلامًا وشخصيات وشراكات فنية أصبحت جزءًا من تاريخ السينما المصرية.
لكن إرثها لا يقاس فقط بعدد الأعمال التي قدمتها، وإنما بما تركته من صورة خاصة في وجدان الجمهور.
بدأت فتاة صغيرة أمام الكاميرا، وأصبحت نجمة، ثم اختارت الغياب عندما أرادت أن تعيش حياتها بعيدًا عن الضوء.
واليوم، يكتب الزمن فصلًا جديدًا في سيرتها، فصلًا لا علاقة له بالسينما، وإنما بالأم التي فقدت ابنتها الوحيدة.
وربما تكون هذه أقسى مفارقات الحياة؛ أن تقضي سنوات طويلة في تقديم المشاعر أمام الكاميرا، ثم يأتي يوم تصبح فيه المشاعر أكبر من أي مشهد، وأصدق من أي حوار، وأقسى من أن يؤديه ممثل.
تبقى نجلاء فتحي في ذاكرة جمهورها فنانة صنعت حضورها على الشاشة، لكن صورتها الإنسانية ستظل أيضًا حاضرة في هذه اللحظة الصعبة، بعدما واجهت فقد ياسمين بعيدًا عن كل بريق الشهرة.
وفي النهاية، قد تغيب النجمة عن الشاشة، لكن الإنسان لا يغيب عن ذاكرة من أحبوه.
نجلاء فتحي.. سيرة فنانة بقيت في الذاكرة، وحكاية أم ستظل الإنسانية فيها أكبر من أي لقب.







