العرض السعودى ” مزاد عاطفي ” يحوز إعجاب الجمهور والنقاد في مهرجان القاهرة المونودراما
تقرير _ محمد الصناديلي ورنده صباحي
لم يكن التصفيق الطويل الذي ملأ مسرح الطليعة بالقاهرة عقب انتهاء العرض السعودي «مزاد عاطفي» مساء أمس الأربعاء مجرد تحية لفنانة تقف وحيدة على الخشبة، بل بدا وكأنه اعتراف ضمني بتحول أوسع يشهده المسرح السعودي في السنوات الأخيرة؛ تحول ينقله من حدود التجربة المحلية إلى فضاء المنافسة العربية.
ففي الدورة التاسعة من مهرجان القاهرة الدولي للمونودراما والذي تستمر فعالياته حتى الجمعة القادمة برئاسة الدكتور أسامة رؤوف ، وجد عرض ” مزاد عاطفي ” نفسه أمام جمهور مصري وعربي اعتاد مشاهدة مدارس مسرحية متعددة، ومع ذلك استطاع أن يفرض حضوره عبر أداء فردي مكثف، وسرد إنساني يعتمد على الصورة والانفعال أكثر من اعتماده على الزخارف المسرحية التقليدية.

داخل قاعة العرض، كانت المونودراما تختبر أصعب شروطها: ممثل واحد، مساحة محدودة، وزمن قصير لإقناع جمهور متنوع. ومع تقدم المشاهد، تحولت المتابعة الهادئة إلى حالة من التفاعل الواضح، وهو ما رصده نقاد حضروا العرض وأشاروا إلى أن قوة العمل لا تكمن فقط في موضوعه، بل في قدرته على الحفاظ على إيقاع درامي متماسك رغم اعتماده الكامل على الأداء الفردي.
الفنانة السعودية أفنان الخضر، بطلة العرض، قدمت شخصية تتنقل بين الانكسار والمواجهة، وبين البوح والاحتجاج، لتصنع مساحة وجدانية دفعت كثيرًا من الحضور إلى التعامل مع العمل بوصفه تجربة إنسانية قبل أن يكون مشاركة مهرجانية.

السؤال الذي تردد في أروقة المهرجان لم يكن حول جودة العرض فقط، بل حول أسباب تكرار حضوره في أكثر من محطة عربية خلال عام واحد. فالمسرحية لم تصل إلى القاهرة من فراغ؛ فقد سبقتها مشاركة في مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، حيث حصلت بطلتها على جائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة المواهب التمثيلية المميزة، كما نال النص الذي كتبته عهود القرشي المركز الثاني في مسابقة التأليف المسرحي التابعة لهيئة المسرح والفنون الأدائية.
هذه الجوائز، بحسب متابعين للحركة المسرحية الخليجية، منحت العمل «شرعية فنية» دفعت المهرجانات العربية إلى الالتفات إليه بوصفه نموذجًا جديدًا للمونودراما السعودية.
المونودراما.. رهان صعب
يقول عدد من النقاد إن المونودراما تُعد من أكثر الأشكال المسرحية قسوة على الممثل، لأن أي اهتزاز في الأداء ينعكس مباشرة على العرض بأكمله.
وفي «مزاد عاطفي» اختار المخرج تركي باعيسى أن يقلل العناصر المساندة إلى الحد الأدنى، بحيث تبقى الشخصية هي مركز الثقل الحقيقي.
هذا الاختيار منح العمل طابعًا بصريًا مكثفًا، وجعل الجمهور في مواجهة مباشرة مع الحالة النفسية التي تطرحها المسرحية، بعيدًا عن الإبهار التقني أو تعدد الشخصيات.
ولا تتوقف رحلة «مزاد عاطفي» عند القاهرة. فالعرض يستعد للمشاركة في الدورة الرابعة من مهرجان المونودراما العربي ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون, وهو ما يطرح تساؤلًا أوسع: هل أصبح المسرح السعودي يمتلك اليوم القدرة على بناء حضور عربي مستدام، لا يعتمد على مشاركة عابرة أو دعم ظرفي؟
المؤشرات الحالية تبدو إيجابية. ففرقة «جوقة المسرح» المنتجة للعمل، والتي تأسست في الرياض عام 2021، تبنت منذ بدايتها مشروعًا يقوم على تقديم أعمال قادرة على المنافسة خارج الحدود المحلية، مع التركيز على النصوص الجديدة والرؤى الإخراجية المعاصرة.
وخلال العقد الأخير، ارتفعت وتيرة الإنتاج المسرحي في المملكة بشكل ملحوظ، وظهرت أجيال جديدة من الكتّاب والمخرجين والممثلين. لكن التغيير الأهم، بحسب متابعين، يتمثل في الانتقال من فكرة «إنتاج عرض للمشاركة» إلى «إنتاج عرض قادر على الاستمرار».
و«مزاد عاطفي» يبدو مثالًا واضحًا على هذا التحول؛ فالمسرحية لم تُصمم لتُعرض مرة واحدة داخل مسابقة، بل لتتنقل بين مهرجانات مختلفة، وتخاطب جماهير متعددة، وتحافظ في كل مرة على هويتها الفنية.
أبعد من الجوائز
ربما تكون الجوائز محطة مهمة في مسيرة أي عمل مسرحي، لكن القيمة الحقيقية لـ«مزاد عاطفي» تكمن في قدرته على إثارة النقاش حول موقع المسرح السعودي اليوم داخل المشهد العربي. فحين يتمكن عرض مونودرامي من الانتقال من شرم الشيخ إلى القاهرة ثم إلى جرش خلال أشهر قليلة، فهذا يعني أن التجربة لم تعد مجرد مشاركة رمزية، بل أصبحت جزءًا من حركة مسرحية عربية تراقب ما يُنتج في المملكة باهتمام متزايد.
وفي النهاية، قد لا يكون «مزاد عاطفي» مجرد عنوان لمسرحية، بل عنوانًا لمرحلة جديدة يحاول فيها المسرح السعودي أن يثبت أن حضوره في المهرجانات العربية ليس استثناءً عابرًا، بل بداية لمسار يتجه بثبات نحو التأثير والمنافسة.







