«الساوردو.. عودة الخبز الطبيعي إلى الواجهة»
كتبت شيماء سعد.
لم يعد الخبز مجرد عنصر أساسي على المائدة، بل أصبح لدى كثيرين ت
جربة غذائية تجمع بين الحرفة التقليدية والاهتمام بجودة المكونات وطرق التصنيع. وفي هذا السياق، يستعيد خبز «الساوردو» (Sourdough)، المعروف بخبز العجين المخمر طبيعيًا، مكانته في عالم المخبوزات، مع تزايد الاهتمام به من جانب الخبازين المحترفين ومحبي الطعام الطبيعي في عدد من المجتمعات.
ويستند هذا النوع من الخبز إلى طريقة تقليدية في صناعة العجين، تعتمد على ما يُعرف باسم «الخميرة الأم» أو الخميرة البادئة (Starter)، وهي خليط من الدقيق والماء تنمو داخله الخمائر البرية وبكتيريا حمض اللاكتيك الموجودة طبيعيًا في الدقيق والبيئة المحيطة. ومع التغذية المنتظمة، يصبح هذا الخليط قادرًا على تخمير العجين ومنحه خصائصه المميزة.
تختلف صناعة الساوردو عن الخبز المعتاد باستخدام الخميرة التجارية؛ إذ تعتمد على تخمير طبيعي يحتاج إلى وقت أطول، وقد يمتد من عدة ساعات إلى يوم أو أكثر وفقًا لنوع الدقيق ودرجة الحرارة وطريقة إعداد العجين.
وتمنح هذه العملية الخبز مذاقًا مميزًا يميل إلى الحموضة الخفيفة، مع قشرة خارجية مقرمشة ولب داخلي مرن تتخلله فراغات هوائية متفاوتة الحجم. كما تمنح الخباز مساحة واسعة للتحكم في النكهة والقوام من خلال ضبط مدة التخمير ونسبة الماء وطريقة الطي والتشكيل.
ولا تتوقف أهمية هذه الطريقة عند المذاق، بل تمتد إلى التغيرات التي تحدث داخل العجين خلال التخمير، وهي تغيرات جعلت الساوردو محل اهتمام متزايد لدى الباحثين والمهتمين بالتغذية.
تساعد عملية التخمير الطبيعي على تكسير جزء من المركبات الموجودة في الحبوب، ومن أبرزها حمض الفيتيك، الذي قد يحد من امتصاص بعض المعادن. ولذلك يمكن أن تسهم هذه العملية في تحسين إتاحة معادن مثل الحديد والزنك والمغنيسيوم للجسم، بحسب نوع الدقيق وظروف التخمير.
كما تؤدي الأحماض والإنزيمات الناتجة عن نشاط الكائنات الدقيقة إلى تغييرات في مكونات العجين، وقد تجعل بعض أنواع خبز الساوردو أسهل في الهضم لدى بعض الأشخاص مقارنة بأنواع أخرى من الخبز.
وتشير دراسات غذائية إلى أن بعض أنواع الساوردو قد يكون لها تأثير أقل على ارتفاع سكر الدم مقارنة بالخبز الأبيض التقليدي، إلا أن هذا التأثير ليس ثابتًا في جميع الأنواع؛ إذ يتوقف على مكونات الخبز ونوع الدقيق وطريقة التخمير وحجم الحصة المتناولة.
ومن المهم التأكيد أن التخمير الطبيعي لا يجعل خبز الساوردو خاليًا من الجلوتين، ولا يجعله مناسبًا تلقائيًا للأشخاص المصابين بمرض السيلياك، كما أن الاستجابة الهضمية تختلف من شخص إلى آخر.
ومع عودة الاهتمام بالمكونات البسيطة وأساليب التصنيع التقليدية، تحول الساوردو لدى عدد من الخبازين من تجربة منزلية إلى حرفة تحتاج إلى معرفة دقيقة بطبيعة العجين ومراحل تخميره.
فالنجاح في إعداده لا يعتمد على وصفة ثابتة فقط، بل يتطلب متابعة نشاط الخميرة الأم، وفهم تأثير درجات الحرارة والرطوبة، واختيار نوع الدقيق المناسب، وضبط نسبة الترطيب، وهي نسبة الماء إلى الدقيق داخل العجين.
وتتنوع الخيارات المستخدمة في صناعته بين دقيق القمح الكامل والجاودار «الراي» والقمح القديم المعروف باسم «الإيمر»، ما يمنح الخبازين إمكانات متعددة لتطوير النكهات والقوام وتقديم منتجات تحمل طابعًا خاصًا.
كما يفتح انتشار المخابز الحرفية مجالًا أمام مشروعات صغيرة تعتمد على جودة المنتج والتميز في طريقة التصنيع، وهو ما يمنح هذا الاتجاه بعدًا اقتصاديًا إلى جانب قيمته الغذائية والثقافية.
تعكس عودة الساوردو اهتمامًا متزايدًا بفهم ما نتناوله، والاقتراب من طرق إعداد الطعام التي تمنح الوقت للمكونات كي تتفاعل بصورة طبيعية. وبين خبرة الخباز وصبر التخمير وتنوع الحبوب، يستعيد هذا الخبز مكانته بوصفه جزءًا من تراث غذائي قديم يجد طريقه من جديد إلى الموائد الحديثة.
وهكذا، لا يقدم الساوردو مجرد مذاق مختلف، بل يسلط الضوء على قيمة الحرفة والصبر وجودة الغذاء، في وقت أصبح فيه كثير من المستهلكين أكثر اهتمامًا بمعرفة مكونات طعامهم وكيفية صناعته.







