كتبت نوره قاسم.
تتجه تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جديدة تتجاوز تطوير البرامج والتطبيقات، بعدما بدأت شركة أمريكية العمل على أنظمة قادرة على تصميم الرقائق الإلكترونية وتحسينها اعتمادًا على نتائج المحاولات السابقة، في خطوة تستهدف تسريع تطوير المعالجات ورفع كفاءتها، بالتزامن مع تزايد الطلب العالمي على قدرات الحوسبة.
وتعمل شركة Ricursive Intelligence على تطوير تقنيات تساعد الذكاء الاصطناعي على اقتراح تصميمات جديدة للرقائق، ثم تقييمها والاستفادة من نتائجها لتحسين المحاولات اللاحقة. ويستهدف هذا النهج تقليص الوقت الذي تستغرقه عمليات تطوير المعالجات، التي قد تمتد في الطرق التقليدية إلى شهور أو سنوات، وفقًا لما تناولته تقارير تقنية حديثة.
كيف يصمم الذكاء الاصطناعي الرقائق الإلكترونية؟
تعتمد الفكرة على استخدام أنظمة ذكية تستطيع تحديد مواقع المكونات الإلكترونية داخل الشريحة، واختبار توزيعات مختلفة للوصول إلى تصميم يحقق التوازن بين سرعة الأداء واستهلاك الطاقة والمساحة المتاحة. وبدلًا من الاعتماد الكامل على الخطوات التقليدية، يمكن للنظام تجربة خيارات متعددة وتحليل النتائج، بما يساعد على الوصول إلى حلول قد لا تكون واضحة منذ البداية للمهندسين.
وتسعى الشركة إلى تطوير تصميم متكامل للرقاقة بدلًا من تقسيمها إلى وحدات صغيرة يجري التعامل مع كل منها بصورة منفصلة. وقد يتيح هذا الأسلوب اكتشاف طرق جديدة لترتيب المكونات وتحسين الاتصال بينها، وهو أمر مهم في المعالجات التي تتطلب قدرات كبيرة لمعالجة البيانات وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتقف خلف المشروع آنا جولدي وأزاليا ميرحسيني، اللتان شاركتا سابقًا في تطوير نظام AlphaChip، الذي استخدم الذكاء الاصطناعي في ترتيب مكونات الرقائق. ونجح النظام في إنتاج توزيعات غير تقليدية، من بينها تصميم دائري لفت انتباه المهندسين، وأظهر أن الاعتماد على الخوارزميات يمكن أن يقدم حلولًا مختلفة عن الأساليب المعتادة.
هل يساعد الابتكار في مواجهة أزمة الحوسبة؟
تواجه صناعة التكنولوجيا طلبًا متزايدًا على قدرات الحوسبة، مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث والإنتاج الرقمي والخدمات السحابية والتطبيقات الصناعية. ويؤدي هذا التوسع إلى زيادة الحاجة إلى المعالجات المتخصصة، فضلًا عن مراكز البيانات التي تتطلب استثمارات كبيرة في الطاقة والتبريد والبنية التحتية.
وترى الشركة أن بناء المزيد من مراكز البيانات ليس الحل الوحيد لمواجهة هذا الطلب، إذ يمكن تحسين كفاءة الرقائق نفسها، بحيث تنجز قدرًا أكبر من العمليات باستخدام الموارد المتاحة. ومن شأن تطوير معالجات أكثر كفاءة أن يساعد على الاستفادة بصورة أفضل من الطاقة والقدرات الموجودة داخل مراكز البيانات.
وتطمح Ricursive Intelligence إلى تقليص الفترة اللازمة لتطوير التصميمات الجديدة، وهو ما قد يجعل إنتاج رقائق مخصصة لاستخدامات محددة أكثر قابلية للتطبيق من الناحية الاقتصادية. فالتصميمات المتخصصة يمكن أن تلبي احتياجات تطبيقات علمية وصناعية، إلى جانب مجالات مثل الواقع المعزز والواقع الافتراضي والتقنيات المستخدمة في الفضاء.
هل يستغني تصميم الرقائق عن المهندسين؟
رغم الإمكانات التي تتيحها هذه التقنيات، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الرقائق لا يعني الاستغناء الكامل عن الخبرات البشرية، كما أنه لا يعني أن النظام أصبح قادرًا على تصنيع المعالجات بصورة مستقلة. فهناك مراحل متعددة تفصل بين إنشاء التصميم وتحويله إلى شريحة إلكترونية قابلة للاستخدام.
وتشمل هذه المراحل التحقق من صحة التصميم، واختبار الأداء، والتأكد من استيفاء المتطلبات الهندسية، ثم الانتقال إلى التصنيع داخل مصانع متخصصة تستخدم معدات وتقنيات شديدة التعقيد. وتظل هذه الخطوات ضرورية لضمان عمل الرقاقة بصورة صحيحة، حتى مع قدرة الأنظمة الذكية على تسريع بعض مراحل التطوير.
ومن المتوقع أن يزداد الاهتمام باستخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة أشباه الموصلات، مع استمرار المنافسة بين الشركات لتوفير معالجات أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة. وقد يفتح هذا الاتجاه المجال أمام تصميم رقائق تناسب احتياجات محددة بدلًا من الاعتماد على حلول عامة لكل التطبيقات.
وفي النهاية، يمثل مشروع Ricursive Intelligence محاولة لتغيير الطريقة التي تُصمم بها المعالجات الإلكترونية، من خلال الاستفادة من قدرة الذكاء الاصطناعي على التجربة والتعلم وتحسين النتائج. وإذا نجحت هذه التقنيات في تقليص وقت التطوير وتحسين الكفاءة، فقد تسهم في تخفيف بعض الضغوط التي تواجه قطاع الحوسبة، دون أن تلغي الحاجة إلى المهندسين وخبرات التصنيع المتخصصة.







