كتبت رندة صباحي.
تحل ذكرى رحيل الموسيقار رياض السنباطي، أحد أبرز أعلام الموسيقى العربية، الذي ترك وراءه تراثًا فنيًا غنيًا جعل اسمه حاضرًا في ذاكرة محبي الطرب حتى اليوم. واستطاع السنباطي أن يصنع لنفسه مدرسة موسيقية خاصة، خاصة في مجال تلحين القصيدة العربية، إلى جانب مكانته الكبيرة كعازف بارع على آلة العود.
وارتبط اسم رياض السنباطي على مدار عقود بأهم مراحل تطور الأغنية العربية، وقدم ألحانًا جمعت بين قوة التعبير وجمال المقامات الموسيقية، مع اهتمام واضح بالكلمة العربية وقدرتها على تقديم مشاعر وأفكار عميقة.
رحلة مبكرة مع الموسيقى
ولد رياض السنباطي في مدينة فارسكور بمحافظة دمياط، ونشأ في أسرة ارتبطت بالموسيقى، إذ كان والده موسيقيًا وعازفًا للعود. وكان لهذا المناخ أثر كبير في اكتشاف موهبته مبكرًا، حيث بدأ السنباطي تعلم العزف على العود في سن صغيرة، وأظهر قدرة لافتة على التعامل مع الآلة.
انتقل لاحقًا إلى القاهرة، التي كانت في ذلك الوقت مركزًا رئيسيًا للحياة الفنية في العالم العربي، وهناك بدأ مرحلة جديدة من مسيرته، واستطاع أن يثبت موهبته بين كبار الموسيقيين.
السنباطي والعود
لم يكن رياض السنباطي مجرد ملحن، بل كان من أبرز العازفين على آلة العود، وتميز بأسلوب خاص في الأداء اعتمد على الدقة والإحساس والقدرة على الانتقال بين المقامات بسلاسة.
وساعده إتقانه للعود على تكوين شخصية موسيقية واضحة، كما منحه قدرة كبيرة على اختبار الألحان وتطويرها قبل تقديمها إلى المطربين. وأصبح اسمه مرتبطًا بالآلة إلى جانب ارتباطه بالتلحين، حتى بات أحد رموز مدرسة العود في الموسيقى العربية.
رائد القصيدة الغنائية
كان للقصيدة العربية مكانة خاصة في تجربة السنباطي، حيث استطاع تحويل النصوص الشعرية إلى أعمال غنائية تحمل قيمة موسيقية وشعرية في الوقت نفسه.
وتميزت ألحانه للقصائد بالاعتماد على المقامات العربية الأصيلة، مع الاهتمام بالتفاصيل التعبيرية للكلمات، بحيث يأتي اللحن متوافقًا مع المعنى والمشاعر التي يحملها النص.
ومن أبرز محطات هذه التجربة تعاونه مع كوكب الشرق أم كلثوم، حيث قدم لها عددًا كبيرًا من الألحان التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الغناء العربي. وأسهم هذا التعاون في ترسيخ مكانة السنباطي كأحد أهم الملحنين الذين تعاملوا مع القصيدة العربية.
تعاون فني مع أم كلثوم
شكل التعاون بين رياض السنباطي وأم كلثوم واحدة من أهم الثنائيات الفنية في القرن العشرين، وقدم الاثنان مجموعة من الأعمال التي ما زالت تحظى بمكانة كبيرة لدى جمهور الطرب.
وكان السنباطي قادرًا على بناء ألحان طويلة ومتنوعة تتناسب مع طبيعة صوت أم كلثوم وقدرتها على الأداء والتعبير، وهو ما منح تلك الأعمال مساحة واسعة للتفاعل بين المطرب واللحن.
ولم تقتصر أعماله على القصائد، بل قدم ألحانًا في أشكال غنائية متعددة، وأثبت قدرته على التعامل مع أنماط مختلفة من النصوص والأصوات.
إرث موسيقي باقٍ
رحل رياض السنباطي عام 1981، لكن أعماله لم تغب عن المشهد الموسيقي، وظلت ألحانه مرجعًا للدارسين والموسيقيين ومحبي الطرب الأصيل.
وتأتي ذكرى رحيله الـ45 فرصة لاستعادة تجربة فنان استطاع أن يجمع بين موهبة العازف وإبداع الملحن، وأن يمنح القصيدة العربية مساحة واسعة داخل الأغنية، مع الحفاظ على جمال المقام واللحن وروح الكلمة.
ويبقى رياض السنباطي واحدًا من الأسماء التي ساهمت في تشكيل ملامح الموسيقى العربية الحديثة، وظل عوده وألحانه شاهدين على مدرسة فنية امتدت آثارها إلى أجيال متعاقبة، لتؤكد أن الإبداع الحقيقي قادر على تجاوز الزمن والاحتفاظ بمكانته في وجدان الجمهور.







