كتبت نورة قاسم.
تحدثت الفنانة هنا شيحة عن أهمية الصحة النفسية في حياة الفنان، مؤكدة أن الوعي بالحالة النفسية يمثل عنصرًا أساسيًا في التعامل مع الشخصيات الفنية، خاصة أن الممثل لا يقدم مجرد كلمات وحركات أمام الكاميرا، وإنما يجسد مشاعر وتجارب إنسانية تحتاج إلى فهم عميق وتفاصيل دقيقة.
وأوضحت هنا شيحة أن الممثل الناجح يجب أن يهتم بفهم الشخصية التي يقدمها من جميع الجوانب، بداية من خلفيتها وظروفها الاجتماعية، وصولًا إلى مشاعرها وطريقة تفكيرها والدوافع التي تحرك تصرفاتها. فكل شخصية لها تركيبتها الخاصة، ولا يمكن الوصول إلى أداء صادق من دون البحث في تفاصيلها ومحاولة استيعاب عالمها الداخلي.
وأشارت إلى أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يرتبط فقط بالأشخاص الذين يمرون بأزمات أو ضغوط، وإنما هو جزء مهم من حياة الإنسان بشكل عام، والفنان بشكل خاص، نظرًا لطبيعة المهنة التي تتطلب التعامل المستمر مع مشاعر مختلفة والانتقال بين حالات نفسية متعددة خلال فترة قصيرة.
وترى أن الممثل قد يعيش لفترة طويلة داخل تفاصيل شخصية يجسدها، خاصة إذا كانت الشخصية تحمل قدرًا كبيرًا من الألم أو الصراع أو الاضطرابات النفسية، ولذلك يجب أن يكون لديه قدر من الوعي يساعده على الفصل بين الشخصية وحياته الخاصة، حتى لا تنتقل المشاعر المرتبطة بالدور إلى حياته اليومية.
وتؤكد هنا شيحة أن التحضير للشخصية لا يجب أن يتوقف عند حفظ الحوار، بل يبدأ من البحث وفهم طبيعة الدور. فقد يحتاج الممثل إلى معرفة البيئة التي نشأت فيها الشخصية، وعلاقاتها بالآخرين، والأحداث التي أثرت في تكوينها، إلى جانب دراسة ردود أفعالها وطريقة تعبيرها عن الخوف أو الغضب أو الحزن أو الفرح.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عند تقديم شخصيات تعاني من مشكلات نفسية، لأن التعامل معها يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية والدقة، حتى لا يقع العمل في فخ الصورة النمطية أو المبالغة. فالفن يستطيع أن يساهم في زيادة الوعي بالصحة النفسية، لكنه في الوقت نفسه مطالب بتقديم هذه الحالات بصورة إنسانية تحترم أصحابها.
كما أن فهم الشخصية يساعد الممثل على تقديم أداء أكثر صدقًا وإقناعًا، لأن المشاهد يستطيع عادةً ملاحظة الفارق بين الأداء الذي يعتمد على الشكل الخارجي فقط، والأداء الذي ينبع من فهم حقيقي للدوافع والمشاعر. وكلما كان الفنان أكثر وعيًا بعالم الشخصية، أصبح قادرًا على تقديم تفاصيل صغيرة تضيف إلى الدور وتجعله أكثر واقعية.
وتشير تجربة العمل الفني إلى أن التفاصيل التي قد تبدو بسيطة في البداية يمكن أن تغير شكل الشخصية بالكامل، مثل طريقة الكلام، ونبرة الصوت، وحركة الجسد، ونظرات العين، وحتى الصمت في بعض المواقف. وهذه العناصر لا تأتي بشكل عشوائي، وإنما تكون نتيجة فهم الممثل للحالة التي تمر بها الشخصية في كل مشهد.
وفي المقابل، يحتاج الفنان إلى الحفاظ على توازنه النفسي وسط ضغوط العمل، سواء بسبب ساعات التصوير الطويلة أو طبيعة المنافسة أو الانتقادات التي يتعرض لها. ومن هنا تصبح العناية بالصحة النفسية جزءًا من القدرة على الاستمرار في المجال الفني، وليس أمرًا ثانويًا يمكن تجاهله.
كما أن الحديث عن الصحة النفسية داخل الوسط الفني يساهم في التخلص من بعض الأفكار الخاطئة التي تربط طلب الدعم النفسي بالضعف، بينما الحقيقة أن الاعتراف بالحاجة إلى المساعدة يعد خطوة إيجابية تساعد الإنسان على التعامل مع الضغوط بصورة أفضل.
وفي النهاية، تؤكد رؤية هنا شيحة أن التمثيل الحقيقي يبدأ من فهم الإنسان، وأن الممثل كلما اقترب من تفاصيل الشخصية ودوافعها ومشاعرها، استطاع أن يقدم تجربة أكثر صدقًا وتأثيرًا. وفي الوقت نفسه، تظل المحافظة على الصحة النفسية للفنان عنصرًا أساسيًا حتى يستطيع تقديم أدوار متنوعة دون أن يفقد توازنه الشخصي، ليظل الفن مساحة للتعبير عن التجارب الإنسانية وفهمها بصورة أعمق.







