كتبت رنده صباحي.
يعود الفيلم المصري الكلاسيكي «قنديل أم هاشم» إلى الشاشة الكبيرة بنسخة مرممة، ضمن فعاليات الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، المقرر إقامتها خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، في خطوة تعيد إحياء أحد أبرز الأعمال التي ناقشت الصراع بين العلم والمعتقدات الشعبية، وقدمت معالجة سينمائية لقضايا المجتمع المصري وتحديات التوفيق بين التراث والحداثة.
ويأتي عرض الفيلم ضمن برنامج «الكلاسيكيات المصرية المرممة»، الذي يضم مجموعة من الأعمال المهمة في تاريخ السينما المصرية، بهدف إتاحة الفرصة للأجيال الجديدة لاكتشاف هذه الأفلام، وإعادة تقديمها للجمهور في صورة تحافظ على قيمتها الفنية والتاريخية.
«قنديل أم هاشم».. من الأدب إلى الشاشة
يستند الفيلم إلى رواية «قنديل أم هاشم» للأديب المصري يحيى حقي، التي تعد من أبرز الأعمال الأدبية التي تناولت التحولات الاجتماعية والفكرية في المجتمع المصري، وطرحت أسئلة تتعلق بالعلاقة بين المعرفة العلمية والموروث الشعبي، وحدود التمسك بالتقاليد في مواجهة متطلبات الحياة الحديثة.
وتحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1968، أخرجه كمال عطية، وكتب السيناريو والحوار صبري موسى، وشارك في بطولته شكري سرحان وسميرة أحمد وعبد الوارث عسر وأمينة رزق.
ونجح العمل في نقل الأفكار الأساسية للرواية إلى الشاشة، من خلال معالجة درامية تركز على الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان عندما يجد نفسه بين ما تعلمه من معارف حديثة وما نشأ عليه من معتقدات وتقاليد راسخة.
قصة إسماعيل وصراع العلم والمعتقدات
تدور أحداث الفيلم حول إسماعيل، الشاب الذي ينشأ في حي السيدة زينب بالقاهرة، قبل أن يسافر إلى ألمانيا لدراسة الطب. وخلال وجوده هناك، يتعرف إلى مجتمع مختلف، ويكتسب خبرات علمية وإنسانية تؤثر في رؤيته للحياة.
وبعد عودته إلى مصر، يفتتح إسماعيل عيادة لعلاج أمراض العيون في الحي الذي نشأ فيه، لكنه يصطدم بانتشار الاعتقاد بقدرة زيت قنديل مسجد السيدة زينب على علاج المرضى، رغم ما قد يسببه استخدامه بطريقة غير طبية من أضرار.
وتتصاعد الأحداث عندما يكتشف أن خطيبته فاطمة تلجأ إلى الزيت نفسه، فيقرر تحطيم القنديل، اعتقادًا منه أن هذه الخطوة ستضع حدًا للممارسات التي يراها مخالفة للعلم. غير أن تصرفه يثير غضب المحيطين به، ويضعه في مواجهة مع أسرته وأهل الحي، لتتعمق أزمته بين قناعاته العلمية وارتباط المجتمع بموروثه الشعبي.
ولا يكتفي الفيلم بطرح المواجهة بين العلم والخرافة، بل يتناول أيضًا صعوبة التواصل بين الأجيال، وأهمية فهم البيئة الاجتماعية والثقافية عند محاولة تغيير المعتقدات السائدة.
ترميم الأفلام وحماية الذاكرة السينمائية
يمثل عرض «قنديل أم هاشم» بنسخة مرممة فرصة جديدة لاستعادة أحد الأعمال التي تركت أثرًا في تاريخ السينما المصرية، كما يسلط الضوء على أهمية مشروعات ترميم الأفلام القديمة، باعتبارها وسيلة للحفاظ على التراث السينمائي من التلف والاندثار.
وتساعد هذه المشروعات على إعادة تقديم الأعمال الكلاسيكية بصورة تتيح للجمهور المعاصر التعرف إلى قيمتها الفنية، فضلًا عن إتاحة الفرصة للباحثين والمهتمين بتاريخ السينما لدراسة تطور الأساليب الإخراجية والتمثيلية والموضوعات الاجتماعية التي تناولتها الأفلام عبر العقود.
ويأتي الفيلم ضمن برنامج يضم 27 عملًا مصريًا مرممًا، من بينها «القاهرة 30» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف» و«الحرام» و«الرجل الذي فقد ظله»، في إطار احتفاء المهرجان بتراث السينما المصرية.
وبعودة «قنديل أم هاشم» إلى الشاشة، تتجدد أهمية العمل بوصفه تجربة سينمائية لا تقتصر على سرد حكاية اجتماعية، بل تفتح بابًا للنقاش حول العلاقة بين العلم والمعتقدات الشعبية، وكيفية التعامل مع التراث دون التخلي عن التفكير العلمي، وهي قضايا ما زالت تحتفظ بقدرتها على جذب النقاش والتأمل حتى اليوم.







