رموز مؤثره يوثقها قلم رنده صباحي
هناك فنانون يتركون بصمتهم بعدد الأعمال التي قدموها، وآخرون يخلدهم الناس بما تركوه في القلوب قبل الشاشات. وكانت الفنانة ميرنا المهندس واحدة من هؤلاء الذين امتلكوا حضورًا مختلفًا؛ ملامح هادئة، وابتسامة صادقة، وروحًا قاومت المرض سنوات طويلة دون أن تسمح له بأن يهزم شغفها بالفن أو حبها للحياة.

ولدت ميرنا المهندس، واسمها الحقيقي ميرنا عبد الفتاح محمد رجب، في 3 مايو 1976 بالقاهرة. منذ طفولتها امتلكت ملامح جذبت أنظار العاملين في مجال الإعلان، فظهرت أمام الكاميرا وهي لم تتجاوز التاسعة من عمرها في عدد من الإعلانات التجارية، قبل أن يكتشفها المخرج حسين حلمي المهندس، الذي منحها لقب “المهندس”، ليصبح اسمها الفني الذي عُرفت به طوال مسيرتها.
لم تعتمد ميرنا على جمالها وحده، بل سعت إلى صقل موهبتها بالدراسة. تلقت تعليمها في مدرسة “سلام كولدج”، ثم التحقت بمعهد الباليه، ودرست الغناء الأوبرالي، قبل أن تستقر على دراسة التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية، لتجمع بين الموهبة والتأهيل الأكاديمي.
كانت بداية ظهورها الحقيقي في الدراما من خلال مسلسل “أرابيسك” عام 1994، حيث لفتت الأنظار بأدائها الطبيعي، ثم جاء مسلسل “ساكن قصادي” ليمنحها انتشارًا أوسع بعدما جسدت شخصية “ليلى”، وهي الشخصية التي رسخت حضورها لدى الجمهور في منتصف التسعينيات.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت ميرنا وجهًا مألوفًا في الدراما المصرية، فشاركت في أعمال تنوعت بين الاجتماعي والكوميدي والإنساني، من أبرزها “يوميات ونيس”، “أبو العلا 90”، “عوضين وإمبراطورية عين”، “بنات أفكاري”، و*“محمود المصري”*، وصولًا إلى مسلسل “أريد رجلًا” عام 2015، الذي كان آخر ظهور درامي لها قبل رحيلها.
وفي السينما، خاضت تجارب متعددة، كان من أبرزها أفلام “مستر دولار”، “يا تحب يا تقب”، “العيال هربت”، “عبده مواسم”، إلى جانب بطولة فيلم “بدون عنوان”، مؤكدة قدرتها على تقديم شخصيات مختلفة بعيدًا عن النمط الواحد.
ورغم أن الجمهور كان يرى على الشاشة فتاة مرحة وهادئة، فإن حياتها بعيدًا عن الأضواء كانت معركة يومية مع المرض. بدأت معاناتها وهي في الرابعة عشرة من عمرها، عندما أصيبت بآلام شديدة في الجهاز الهضمي، لكن حالتها شُخصت بصورة غير دقيقة في البداية، ما أدى إلى تأخر العلاج واستمرار معاناتها لفترة طويلة.
ومع تطور حالتها الصحية، تنقلت بين مراكز طبية داخل مصر وخارجها، وخاضت رحلة علاج شاقة في ألمانيا ثم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث خضعت لعدة جراحات معقدة، انتهت باستئصال القولون بالكامل، في محاولة لإنقاذ حياتها. ورغم قسوة التجربة، كانت تحرص على العودة إلى جمهورها كلما سمحت حالتها الصحية بذلك، رافضة أن يكون المرض نهاية حلمها الفني.
ولم تكن ميرنا تتحدث كثيرًا عن أوجاعها، بل فضلت أن يراها الجمهور كما اعتادها؛ مبتسمة، هادئة، ومؤمنة بأن الفنان يحمل مسؤولية منح الأمل حتى في أصعب الظروف. لذلك ظل حضورها الإنساني يسبق أخبار مرضها، وبقيت صورتها في أذهان محبيها رمزًا للقوة الهادئة أكثر من كونها رمزًا للمعاناة.
وفي الأيام الأخيرة من حياتها، تدهورت حالتها الصحية إثر مضاعفات خطيرة أعقبت جراحة دقيقة، لتفارق الحياة في 5 أغسطس 2015 داخل المركز الطبي العالمي بالقاهرة، عن عمر ناهز 39 عامًا، بعد رحلة امتدت لسنوات مع المرض، لكنها لم تنتزع منها حبها للفن ولا احترام زملائها وجمهورها.
ورغم أن مسيرتها لم تكن الأطول، فإنها بقيت من الفنانات اللاتي ارتبط اسمهن بالرقة والصدق أمام الكاميرا. لم تعتمد على الضجيج أو إثارة الجدل، بل صنعت مكانتها بالاجتهاد، والالتزام، والإحساس الذي وصل إلى المشاهد ببساطة وعفوية.
لم تكن ميرنا المهندس مجرد فنانة رحلت في عمر مبكر، بل كانت قصة إنسانية كتبت فصولها بالصبر قبل الأضواء، وبالإرادة قبل الشهرة. قاومت المرض سنوات طويلة دون أن تفقد رقتها أو إيمانها برسالتها الفنية، فبقيت مثالًا للفنانة التي لم تجعل الألم عنوانًا لها، بل جعلت من كل ظهور على الشاشة انتصارًا جديدًا على المعاناة. رحلت في الخامس من أغسطس عام 2015، لكن رحيل الجسد لم يطفئ حضور الروح، فبقي اسمها محفورًا في ذاكرة الفن المصري، شاهدًا على أن بعض الفنانين لا يُقاس عمرهم بعدد السنوات، بل بما تركوه من محبة وأثرٍ لا تمحوه الأيام.







