وفاء لا يغيب.. مهرجان بردية السينمائي الدولي يحتفي بذكرى خالد صالح ويكرّم رموز الفن.
كتبت شيماء سعد.
في ليلةٍ امتزج فيها سحر السينما بذاكرة الوفاء، احتضن مسرح تشايكوفسكي بالمركز الثقافي الروسي بالقاهرة، مساء السبت 10 أكتوبر 2026، افتتاح الدورة الثالثة من مهرجان بردية السينمائي الدولي للأفلام القصيرة، التي تحمل اسم الفنان الراحل خالد صالح، في لفتةٍ تستعيد سيرة فنان لم تتوقف قيمته عند حدود الأدوار التي جسّدها، بل امتدت إلى أثر إنساني تركه في وجدان الجمهور وزملائه.
وجاءت الدورة الجديدة برئاسة الكاتبة عزة أبو اليزيد، لتؤكد أن المهرجانات الفنية لا تقتصر رسالتها على الاحتفاء بالإبداع، وإنما تمنح الذاكرة أيضًا حقها في استعادة أصحاب البصمات التي لا يمحوها الغياب، وتفتح أمام المواهب السينمائية مساحات جديدة للتعبير والاختلاف.
تكريمات تحتفي بتاريخ الفن المصري والعربي
شهد حفل الافتتاح حضورًا فنيًا لافتًا، تخللته تكريمات لعدد من رموز السينما والدراما والموسيقى، تقديرًا لمسيرتهم وإسهاماتهم في إثراء المشهد الفني.
وضمت قائمة المكرمين الفنان رياض الخولي، والمخرج خالد يوسف، والفنانة حورية فرغلي، والموسيقار راجح داوود، والفنانة منال سلامة، والفنان محمود عزب، إلى جانب تكريم المخرجين عمر عبد العزيز، وهاني لاشين، وعمرو عابدين، والمخرج الفلسطيني مصطفى النبيه.

وحملت هذه التكريمات دلالة تتجاوز الاحتفاء بالأسماء، لتسلط الضوء على قيمة العطاء الفني وتراكم الخبرات التي أسهمت في تشكيل وجدان أجيال من المشاهدين، فيما عكس تكريم رموز من مصر وفلسطين اتساع مساحة التلاقي التي تمنح الفن قدرته على تجاوز الحدود.

كما شهدت المناسبة حضور لجنة تحكيم الدورة برئاسة المخرج مجدي أبو عميرة، وعضوية الفنان محسن صبري، والفنانة العراقية كلوديا حنا، والمخرج الفلسطيني فايق جرادة، والدكتورة ليلى المغربي.

خالد صالح.. حين يبقى الأثر بعد الرحيل
استعاد الحفل محطات من حياة الفنان خالد صالح من خلال فيلم تسجيلي تناول مسيرته الفنية والإنسانية، في فقرة منحت المناسبة بُعدًا وجدانيًا خاصًا، وأعادت التذكير بأن بعض الفنانين يتركون وراءهم ما هو أبعد من الأعمال؛ يتركون حضورًا يستمر في الذاكرة، ومعنى يتجدد كلما عادت أعمالهم إلى الشاشة.

وبدأ الحفل بفقرة غنائية واستعراضية قدمتها الفنانة مي حافظ، التي تولت تقديم فقراته، فيما حملت تفاصيله التنظيمية والفنية توقيع المخرج محمد مغربي، والمخرج المنفذ أحمد شمس.

وجاء اختيار اسم خالد صالح للدورة الثالثة بمثابة رسالة وفاء لفنان ارتبط حضوره بقدرة خاصة على تجسيد الإنسان بتناقضاته وانكساراته وقوته، ليصبح الاحتفاء به تذكيرًا بأن الفن الحقيقي لا يُقاس فقط بما يقدمه صاحبه على الشاشة، بل بما يتركه من أثر في القلوب.

48 فيلمًا في مواجهة إبداعية متعددة المسارات
وفي كلمتها خلال الافتتاح، أكدت رئيسة المهرجان عزة أبو اليزيد أن الدورة الثالثة تشهد مشاركة سينمائية متنوعة، بعدما جرت تصفية الأفلام المتقدمة، وعددها 200 فيلم، لاختيار 48 فيلمًا للمنافسة ضمن ثلاث مسابقات رئيسية.

وتشمل المسابقة الأولى «سينما الومضة»، المخصصة للأفلام القصيرة جدًا التي لا تتجاوز مدتها خمس دقائق، فيما تستقبل المسابقة العامة أفلامًا تصل مدتها إلى 30 دقيقة، إلى جانب مسابقة أفلام الذكاء الاصطناعي، التي تفتح المجال أمام التجارب السينمائية المعتمدة على التقنيات الحديثة.

وتعكس هذه المسارات حرص المهرجان على الجمع بين السينما بوصفها لغة فنية وإنسانية، وبين التحولات التكنولوجية التي تعيد تشكيل أدوات الإنتاج وأساليب الحكي، مع إتاحة الفرصة أمام أفكار جديدة لتجد طريقها إلى الجمهور.

وتأتي هذه الدورة برعاية مشتركة من الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والقائم بأعمال وزير الثقافة، والدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، في إطار الرعاية المعلنة للمهرجان.
السينما ذاكرة إنسانية لا تعرف الغياب
لم يكن افتتاح مهرجان بردية السينمائي الدولي مجرد موعد للاحتفاء بالأفلام وصناعها، بل مناسبة لاستعادة معنى الوفاء في الوسط الفني، والتأكيد على أن الإبداع حين يرتبط بالإنسان يصبح أكثر قدرة على البقاء، وأن تكريم الراحلين لا يستحضر الماضي وحده، بل يذكّر الأجيال الجديدة بالقيمة التي يمكن أن يتركها الفن في حياة الناس.
فبين أسماء صنعت تاريخًا فنيًا، وأفلام تسعى إلى تقديم رؤى مختلفة، وتجارب تستكشف آفاق التكنولوجيا، تواصل السينما دورها في توثيق الإنسان، والاقتراب من أسئلته ومشاعره، ومنح الحكايات الصغيرة فرصة لأن تُرى وتُسمع.
ومن قلب هذه الليلة التي جمعت الفن بالوفاء، جاءت تغطية قناة سلام نيوز بقيادة الأستاذة نوره قاسم، رئيسة مجلس إدارة القناة، وبحضور الإعلامية رنده صباحي، لتوثّق حكاية مهرجان لا يحتفي بالسينما وحدها، بل يصون ذاكرة المبدعين ويؤكد أن الأجساد قد تغيب، لكن الأثر الصادق يظل حاضرًا في وجدان الناس.







