كتبت رنده صباحي
يفتتح جاليري ضي بالزمالك مساء الأحد 14 يونيو المعرض الاستعادي للفنان الكبير الدكتور مجدي عبد العزيز تحت عنوان «أصداء الأزمنة»، في احتفاء خاص بإحدى التجارب التشكيلية الأكثر ثراءً وتنوعًا في الفن المصري المعاصر، حيث يستمر المعرض حتى الثاني من يوليو المقبل، مقدمًا بانوراما فنية واسعة ترصد مسيرة إبداعية امتدت لعقود من البحث والتجريب والانحياز الدائم لقيم الجمال والهوية.
ويمثل المعرض فرصة استثنائية للتعرف على ملامح المشروع الفني للدكتور مجدي عبد العزيز، أحد أبرز رموز فن الجرافيك والحفر في مصر، والذي نجح عبر مسيرته الطويلة في بناء عالم بصري خاص يجمع بين صرامة التكوين الأكاديمي وثراء المخزون التراثي والإنساني، مستلهمًا تفاصيل الحياة المصرية وذاكرة المكان في أعمال تتجاوز حدود التسجيل البصري إلى التأمل العميق في الإنسان والزمن.
ولد الفنان في حي عابدين بالقاهرة، أحد الأحياء التي تركت أثرها الواضح في تكوينه البصري والوجداني، وحصل على الدكتوراه المعادلة في الفنون التطبيقية من المجلس الأعلى للجامعات المصرية عام 1987، كما نال الدبلوم العالي من الأكاديمية العليا للاتصالات المرئية والتصميم للفنون ببرلين الغربية عام 1986، وحصل في العام نفسه على لقب «مصمم عال» من الأكاديمية العليا للفنون ببرلين، إلى جانب حصوله على درجة الماجستير في فن الإعلان من كلية الفنون التطبيقية عام 1982، وبكالوريوس الفنون التطبيقية قسم الإعلان وفن الكتاب بجامعة حلوان عام 1973 بتقدير امتياز.
كما تلقى دراساته الفنية المبكرة بالقسم الحر بكلية الفنون الجميلة على يد نخبة من كبار الفنانين المصريين، من بينهم عبد العزيز جاويش وحامد ندا وحسني البناني، قبل أن يواصل دراسة التصوير الزيتي بالقسم الحر في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهو ما أسهم في تشكيل شخصيته الفنية متعددة الروافد.
وعلى مدار مسيرته، جمع مجدي عبد العزيز بين الإبداع الفني والعمل الأكاديمي والبحثي، وشارك في عدد كبير من المعارض الفردية والجماعية داخل مصر وخارجها، كما حضر اسمه في العديد من الفعاليات والمسابقات الفنية الدولية، ليحصد عشرات الجوائز وشهادات التقدير التي رسخت مكانته كأحد الأسماء المؤثرة في الحركة التشكيلية العربية.
وامتد حضور أعماله إلى خارج الحدود المصرية، حيث اقتنتها مؤسسات ومتاحف وهيئات ثقافية ومجموعات فنية خاصة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وتونس والسودان والكويت والنرويج والهند واليابان والنمسا والأردن، إلى جانب العديد من المؤسسات والشركات والبنوك داخل مصر.
وحول تجربته الفنية، يرى الناقد التشكيلي هشام قنديل أن مجدي عبد العزيز يعد واحدًا من أبرز رواد فن الحفر في مصر، إلا أن تجربته تجاوزت حدود التخصص لتفتح آفاقًا واسعة في الرسم والتصوير، مدفوعة برغبة دائمة في الوصول إلى جوهر الأشياء والبحث عن العمق الإنساني بعيدًا عن المظاهر العابرة والاتجاهات المؤقتة.
ويصف قنديل الفنان بأنه يشبه طائر الفينيق الأسطوري الذي يعيد اكتشاف ذاته باستمرار، إذ ينجح في كل مرحلة من مسيرته في الانطلاق نحو آفاق جديدة دون أن يفقد صلته بجذوره الأولى، مستندًا إلى خبرة طويلة ورؤية متجددة جعلت من أعماله مساحة دائمة للحوار بين الماضي والحاضر.
ويؤكد أن عالم مجدي عبد العزيز التشكيلي يتشكل من مفردات مصرية خالصة؛ من البيوت الشعبية والحارات القديمة إلى العامل المصري البسيط الذي يحمل همومه وأحلامه اليومية، ومن الزخارف الإسلامية والحروف العربية إلى العلاقات البصرية التي تمزج بين الهندسي والعضوي، وبين العقلاني والعفوي، في صياغات تحمل روحًا إنسانية عميقة تتجاوز حدود المكان.
ويضيف أن الفنان استطاع عبر سنوات طويلة أن يصهر التراث الشعبي والإسلامي داخل بنية تشكيلية معاصرة، محافظًا على أصالة الرؤية من دون أن ينغلق على الماضي، وهو ما منح أعماله قدرة استثنائية على مخاطبة المتلقي أينما كان، وجعلها تحظى بتقدير واسع داخل مصر وخارجها.
ويأتي معرض «أصداء الأزمنة» ليقدم قراءة جديدة لهذه التجربة الثرية، عبر مجموعة من الأعمال التي تكشف تحولات الفنان الفكرية والجمالية، وتبرز قدرته المستمرة على التجدد وإعادة صياغة العلاقة بين الفن والإنسان والذاكرة، مؤكدة أن الإبداع الحقيقي يظل قادرًا على تجاوز الزمن وصناعة حضوره المتجدد في كل مرحله.







