كتبت رنده صباحي.
دافع النجم والمخرج الأمريكي بن أفليك عن فيلم «ديجر» (Digger)، بطولة النجم توم كروز، منتقدًا ردود الفعل التي تحتفي بإخفاق الأفلام في شباك التذاكر، ومحذرًا من أن السخرية من التجارب السينمائية التي لا تحقق النجاح التجاري قد تؤثر سلبًا على مستقبل صناعة السينما، وتدفع صناع الأفلام إلى الابتعاد عن المجازفة وتقديم أفكار جديدة.
وجاءت تصريحات أفليك خلال ظهوره في بودكاست «Happy Sad Confused»، حيث تحدث عن الطريقة التي يتعامل بها الجمهور مع الأفلام التي لا تحقق التوقعات التجارية، مشيرًا إلى أن تحويل إخفاق أي عمل فني إلى مادة للسخرية قد يخلق مناخًا غير مشجع للمخرجين والمنتجين الذين يحاولون تقديم تجارب مختلفة وغير تقليدية.
بن أفليك يرفض الاحتفاء بإخفاق الأفلام
وأوضح أفليك أن هناك فارقًا بين انتقاد الأعمال السينمائية وتقييم مستواها الفني، وبين التعامل مع إخفاقها التجاري باعتباره مناسبة للتنمر والسخرية من صناعها. ويرى أن الاحتفاء بفشل فيلم لمجرد أنه لم يحقق الإيرادات المنتظرة قد يضر بروح الإبداع، خاصة أن صناعة السينما تعتمد على التجربة والمغامرة، ولا يمكن ضمان نجاح كل عمل قبل طرحه للجمهور.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه صناعة السينما تحديات متعددة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق، وتغير عادات المشاهدة، والمنافسة المتزايدة بين دور العرض ومنصات البث الرقمي. وتؤثر هذه العوامل في حسابات شركات الإنتاج عند اتخاذ قراراتها بشأن تمويل المشروعات الجديدة واختيار الأعمال التي ترى أنها قادرة على تحقيق عائد تجاري.
ويرى أفليك أن الحكم على الأفلام ينبغي ألا يقتصر على أرقام شباك التذاكر، لأن القيمة الفنية للعمل لا ترتبط دائمًا بحجم الإيرادات التي يحققها، كما أن بعض التجارب السينمائية قد تكتسب أهميتها بمرور الوقت، حتى إذا لم تحقق النجاح المنتظر عند عرضها الأول.
«ديجر» وتجربة سينمائية مثيرة للجدل
أثار فيلم «ديجر» اهتمامًا واسعًا في الأوساط السينمائية، مع ارتباطه باسم توم كروز، أحد أبرز نجوم هوليوود، الذي يتمتع بتاريخ طويل من النجاحات في أفلام الحركة والإنتاجات الكبرى. وجاءت ردود الفعل على أداء الفيلم التجاري لتفتح النقاش حول الطريقة التي تتعامل بها الصناعة والجمهور مع الأعمال التي لا تحقق النتائج المتوقعة.
ودافع أفليك عن حق صناع السينما في خوض تجارب طموحة، حتى عندما لا تسير النتائج وفق حساباتهم، معتبرًا أن الخوف من الفشل قد يؤدي إلى تراجع الرغبة في الابتكار، ويشجع على تكرار الصيغ المضمونة تجاريًا بدلًا من المغامرة بأفكار وأساليب جديدة.
وتكشف هذه المناقشات عن التحدي الذي يواجهه صناع الأفلام في الموازنة بين تقديم أعمال ذات رؤية فنية واضحة، والاستجابة لتوقعات الجمهور وشركات الإنتاج التي تسعى إلى تحقيق عوائد مالية مناسبة.
بن أفليك وتجربته مع إخراج الأفلام
واستند أفليك في حديثه إلى خبرته الطويلة في هوليوود، سواء أمام الكاميرا أو خلفها، إذ خاض تجارب متعددة في التمثيل والإخراج والإنتاج، وواجه خلال مسيرته نجاحات وإخفاقات شكلت جزءًا من رحلته الفنية.
ومن أبرز محطاته الإخراجية فيلم «Gone Baby Gone» الذي صدر عام 2007، وحقق له إشادة نقدية، كما قدم أفلامًا أخرى من بينها «The Town» و«Argo»، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم عام 2013.
وتمنح هذه التجارب أفليك منظورًا مختلفًا لطبيعة العمل السينمائي، إذ يدرك أن إنتاج فيلم يتطلب مشاركة عدد كبير من الفنانين والفنيين والعاملين، وأن النتائج التجارية لا تعكس بالضرورة حجم الجهد المبذول في إنجازه.
كما أن الانتقادات القاسية قد تؤثر على قرارات المنتجين والمستثمرين، خصوصًا عندما تتعلق بمشروعات مرتفعة التكلفة، وهو ما قد يدفع الشركات إلى تفضيل الأعمال التي تتبع أنماطًا ناجحة سابقًا، بدلًا من دعم أفكار جديدة تحمل قدرًا من المخاطرة.
مستقبل السينما بين الإبداع والنجاح التجاري
وتعيد تصريحات بن أفليك فتح النقاش حول مستقبل صناعة السينما، والعلاقة بين حرية الإبداع والضغوط التجارية التي تواجه صناع الأفلام، خاصة مع تزايد الاهتمام بالإيرادات ومؤشرات المشاهدة عند تقييم الأعمال الجديدة.
ففي الوقت الذي يمثل فيه شباك التذاكر عنصرًا مهمًا لاستمرار الصناعة، يظل التنوع في الأفكار والأنواع السينمائية عاملًا أساسيًا في تطورها، إذ يحتاج الجمهور إلى تجارب مختلفة تتجاوز القوالب التقليدية، وتمنح المخرجين فرصة لتقديم رؤى فنية جديدة.
وتواجه الاستوديوهات الكبرى تحديًا مستمرًا في تحديد المشروعات التي تستحق الاستثمار، خصوصًا مع ارتفاع ميزانيات بعض الإنتاجات، وهو ما يجعل نتائج الأفلام التجارية محل اهتمام واسع لدى وسائل الإعلام والجمهور.
لكن إخفاق فيلم واحد لا يعني بالضرورة نهاية مسيرة صانعيه، كما أن نجاح فيلم في تحقيق إيرادات ضخمة لا يجعله بالضرورة الأفضل فنيًا. ولذلك تظل المراجعات النقدية والحوار حول جودة الأعمال جزءًا مهمًا من الحياة السينمائية.
وتعكس مواقف أفليك أهمية منح التجارب الفنية مساحة للتقييم بعيدًا عن السخرية، مع الحفاظ على حق الجمهور والنقاد في إبداء آرائهم بحرية. فصناعة السينما، في نهاية المطاف، تقوم على التجربة المستمرة، ولا يمكنها التطور دون استعداد صناعها لخوض المخاطر وتقديم أفكار غير مألوفة.
وبهذا الموقف، ينضم بن أفليك إلى النقاش الدائر في هوليوود حول ضرورة الفصل بين النقد الفني والتنمر على الإخفاق التجاري، مؤكدًا أهمية الحفاظ على بيئة تسمح للمبدعين بالمحاولة والتجديد، حتى عندما لا تحقق أعمالهم النجاح الذي كانوا يأملون فيه.







