رموز مؤثرة يوثقها قلم رنده صباحي
لم تبدأ حكاية المهندس وسام طايل من مكتب هندسي كبير، ولا من شركة تحمل اسمه، بل بدأت من لحظة فارقة غيّرت ملامح حياته بالكامل؛ لحظة فقد فيها والده وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، لتتحول الطفولة فجأة إلى مسؤولية، ويتحول طفل هادئ نشأ بين دفء العائلة وبساطة الريف إلى شخص يحمل داخله ملامح رجل سبق عمره بسنوات.

وُلد عام 1975 في مدينة بنها، المدينة التي ظل يحمل لها انتماءً خاصًا، حيث امتزجت في تكوينه ملامح الأب المدرّس الجامعي صاحب الوقار والعلم، والأم التي عملت في وزارة الخارجية.
لكن أكثر ما بقي بداخله من والده لم يكن المال ولا المكانة الاجتماعية، بل تلك المعاني القديمة التي ظل يرددها طوال رحلته: الجدعنة، والأصول، والالتزام بالكلمه

منذ الصغر، لم يكن يميل لفكرة الوظيفة التقليدية، رغم أن كل الظروف حوله كانت تدفعه نحو الطريق الآمن.
كان يشعر دائمًا أن داخله شخص خُلق ليبني شيئًا أكبر، لذلك بدأ مبكرًا جدًا في خوض تجارب التجارة والعمل، حتى وهو ما يزال طالبًا في المرحلة الإعدادية، حين وقف خلف “ترابيزة” صغيرة يبيع البسكويت لأهالي قريته.
ورغم بساطة المشهد، إلا أن تلك الوقفة صنعت داخله وعيًا مبكرًا بمعنى الاعتماد على النفس، وأن قيمة الإنسان الحقيقية ليست فيما يملكه، بل فيما يستطيع أن يصنعه من لا شيء

وفي سنوات الشباب، تنقلت خطواته بين أكثر من تجربة؛ عمل في المبيعات، وخاض تجربة السفر إلى السعودية داخل شركة بن لادن، ثم جاءت له فرصة السفر إلى أمريكا بعد عودته إلى مصر، لكن شيئًا داخله كان يرفض فكرة أن يعيش عمره موظفًا مهما كانت المغريات.
لم يكن الأمر تهورًا بقدر ما كان إيمانًا عميقًا بأن طريقه الحقيقي لم يبدأ بعد.
ذهب إلى الغردقة ليبدأ مغامرته الأولى، بسيارة واحدة فقط يعمل بها في مجال السفاري.
وبسرعة لفت الأنظار بقدرته على الإدارة والتشغيل، حتى تحولت السيارة الواحدة إلى أسطول، وأصبح يمتلك واحدًا من أشهر مكاتب السفاري هناك.
لكن السوق الذي صنع النجاح سريعًا، سحب النجاح سريعًا أيضًا بعد أزمة السياحة الشهيرة، لتسقط استثمارات كاملة في لحظة واحدة.
ورغم قسوة الخسارة، خرج من تلك المرحلة بشيء اعتبره لاحقًا أهم من المال: العلاقات والثقة وسمعة الالتزام.
لم يكن مهندسًا على الورق فقط، بل كان يملك عقلية الشخص القادر على بناء المنظومات من الصفر.
لذلك حين دخل مجال المقاولات، دخله بعقلية المقاتل لا بعقلية الموظف.
بدأ العمل مع شركات تابعة لقطاع الأعمال العام، وسط أزمات مالية وتأخر مستحقات كانت كفيلة بإسقاط شركات أكبر، لكن أصعب اختبار واجهه لم يكن نقص الأموال، بل تراكم المسؤوليات والديون في وقت واحد.
وفي خضم تلك الضغوط، جاءت اللحظة التي صنعت التحول الحقيقي في مسيرته.
لقاؤه بالمهندس كمال فهمي لم يكن مجرد فرصة عمل، بل كان اختبار ثقة كامل.
حين أُسند إليه مشروع “التبة”، كان المطلوب إنجازه خلال أيام قليلة، في وقت كانت فيه الشركة تمر بأزمة سيولة خانقة.
ورغم ذلك، جمع المقاولين والدائنين الذين كانوا يطالبونه بحقوقهم، وأقنعهم أن يعودوا للعمل معه من جديد، ووضع أمامهم التزامًا واضحًا بأن الجميع سيحصل على حقه.
تم تنفيذ المشروع في وقت قياسي، لتصبح تلك اللحظة نقطة إعادة ميلاد حقيقية له ولشركته.
ومن بعدها، بدأ اسم شركة الرحاب للمقاولات يفرض نفسه بقوة داخل هيئة المجتمعات العمرانية، حتى جاءت النقلة الأكبر بالفوز بمشروع تطوير 3400 فدان بمدينة أسيوط الجديدة، وهو المشروع الذي رسّخ مكانة الشركة بين الكيانات الكبرى في قطاع المقاولات بمصر.
لكن خلف كل هذا النجاح، ظل الجانب الإنساني حاضرًا بقوة في شخصية المهندس وسام طايل.
كان يرى أن الشركة ليست مجرد أرقام أو معدات، بل مسؤولية تجاه آلاف البيوت التي تعيش من خلالها، لذلك كان دائمًا يردد أن “رزق الشركة هو رزق الناس التي تعمل فيها”، وهي فلسفة انعكست على طريقة إدارته وعلاقته بالعاملين معه.
ثم جاءت الصدمة الأصعب في حياته كلها؛ رحيل شقيقه وشريك رحلته سامح طايل عام 2012 بشكل مفاجئ
رحيل لم يكن فقدًا عائليًا فقط، بل كان فقدانًا لجزء كامل من الرحلة، وللشخص الذي حمل معه الحلم والتعب والبدايات.
لكن ما حدث بعد ذلك كشف الوجه الحقيقي لشخصية وسام طايل.
فبعد رحيل سامح، وجد بين أوراقه وأفكاره عددًا من المشروعات التي كان يحلم بتنفيذها، ولم يسمح أن تتوقف تلك الأحلام عند الغياب.
قرر أن يحول ما تركه شقيقه من أفكار إلى واقع حيّ، وكأن استكمال الحلم أصبح رسالة وفاء قبل أن يكون مشروعًا استثماريًا.
ومن هنا، خرج مشروع “فوفوزيلا” في أسيوط إلى النور؛ ليس باعتباره مجرد مدينة ترفيهية، بل باعتباره حلمًا مؤجلًا لشقيق رحل جسده وبقيت أفكاره حيّة.
لقد تعامل المهندس وسام طايل مع هذا المشروع بمنطق مختلف تمامًا؛ لم يكن يبني ملاهي فقط، بل كان يعيد إحياء صوت أخيه داخل مكان يمتلئ بالحياة والضحك والناس.
وفي واحدة من أصدق صور الوفاء النادرة، أثبت أن بعض العلاقات لا تنتهي بالرحيل، وأن الحب الحقيقي يظهر حين يتحول الحزن إلى استكمال طريق، وحين يصبح تحقيق حلم إنسان راحل نوعًا من الإيمان بأن الأرواح تبقى في الأشياء التي تمنتها بصدق.
لهذا، لم يكن “فوفوزيلا” مجرد مشروع ناجح في أسيوط، بل كان شاهدًا حيًا على وفاء رجل حمل حلم أخيه على كتفيه، وأصر أن يراه الناس حقيقة على أرض الواقع… وكأن سامح طايل لم يرحل أبدًا
ليُصبح المهندس وسام طايل اليوم واحدًا من أبرز رجال الأعمال في قطاع العقارات والمقاولات بمصر، بعدما رسّخ اسمه بقوة من خلال قيادته لـ طايل جروب، كما تُوّجت مسيرته بانتخابه رئيسًا لمجلس أمناء مدينة أسيوط الجديدة في أبريل 2026، ليصبح رقمًا صعبًا وواحدًا من أهم الأسماء المؤثرة في المشهد العمراني والاستثماري داخل أسيوط ومصر كله







