كتبت رندة صباحي.
أصبح من الصعب أحيانًا التفرقة بين الصور الحقيقية وتلك التي تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة مع التطور السريع الذي شهدته أدوات توليد الصور خلال السنوات الأخيرة، والتي أصبحت قادرة على إنتاج مشاهد شديدة الواقعية يصعب اكتشاف طبيعتها من النظرة الأولى. ومع انتشار هذه الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، أصبح التحقق من محتوى الصورة خطوة مهمة قبل تصديق ما تحمله أو إعادة نشره.
ورغم أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر دقة، فإن بعض الصور المولدة قد تترك علامات يمكن ملاحظتها عند التدقيق. ومن أهم الخطوات التي يمكن اتباعها فحص التفاصيل الصغيرة داخل الصورة، خاصة العناصر التي كانت تمثل تحديًا لأنظمة توليد الصور في السابق.
وتعد اليدان والأصابع من أبرز التفاصيل التي يمكن فحصها، فقد تظهر أحيانًا بشكل غير طبيعي في الصور المولدة، مثل وجود عدد غير صحيح من الأصابع أو اختلاف أحجامها أو تشوه وضعية اليد. ومع تطور التقنيات الحديثة أصبحت هذه الأخطاء أقل شيوعًا، لكنها قد تظهر في بعض الصور، لذلك يمكن أن تكون مؤشرًا يستحق الانتباه.
كما يمكن التركيز على ملامح الوجه والعينين والأسنان والشعر. ففي بعض الصور المصطنعة قد تبدو تفاصيل الوجه مثالية بدرجة غير معتادة، أو تظهر اختلافات بسيطة بين جانبي الوجه، بينما قد تكون الأسنان أو الأذن أو خصلات الشعر غير متناسقة عند تكبير الصورة. ولا يعني وجود تفصيلة غريبة بالضرورة أن الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، لكنه قد يكون سببًا لإجراء مزيد من التحقق.
ومن العلامات المهمة أيضًا الانتباه إلى الكتابة داخل الصورة. قد تنتج أدوات الذكاء الاصطناعي نصوصًا تبدو للوهلة الأولى صحيحة، لكنها تحتوي على حروف غير مفهومة أو كلمات مكتوبة بطريقة غير منطقية، خصوصًا في اللافتات والإعلانات والملصقات. وعلى الرغم من التحسن الكبير في قدرة النماذج على إنتاج النصوص، فإن الأخطاء في الكتابة لا تزال تظهر في بعض الحالات.
ويمكن كذلك فحص الخلفية والعناصر الموجودة حول الشخصية الرئيسية. ففي بعض الصور المولدة قد تظهر الأشياء في الخلفية بصورة غير منطقية، مثل الأبواب أو النوافذ غير المتناسقة، أو السيارات التي تحتوي على تفاصيل غير صحيحة، أو الأشخاص الذين تبدو ملامحهم مشوهة. وقد لا يلاحظ المشاهد هذه التفاصيل عند رؤية الصورة للمرة الأولى، لكنها تصبح أكثر وضوحًا عند تكبيرها.
وتعد الإضاءة والظلال من العناصر التي يمكن الاستفادة منها أثناء الفحص. فالصورة الحقيقية عادة ما تحتوي على مصدر إضاءة منطقي ينعكس على الأشياء والشخصيات بطريقة متناسقة، بينما قد تظهر في بعض الصور المولدة ظلال لا تتوافق مع اتجاه الضوء أو انعكاسات غير منطقية على الأسطح المختلفة.
ومن المفيد أيضًا النظر إلى التفاصيل المتعلقة بالملمس والمواد. فقد تبدو بعض الملابس أو البشرة أو المعادن شديدة النعومة أو مصقولة بطريقة غير واقعية، أو تظهر أنماط متكررة في أماكن لا يفترض أن تكون متطابقة. وقد تساعد هذه الملاحظات في الاشتباه بأن الصورة تم إنشاؤها أو تعديلها باستخدام أداة رقمية.
لكن الاعتماد على العين وحدها لم يعد كافيًا دائمًا، خاصة مع التطور المتواصل في تقنيات توليد الصور. ولذلك يمكن الاستعانة بأدوات متخصصة في تحليل الصور والبحث عن مؤشرات تدل على استخدام الذكاء الاصطناعي. وتوجد خدمات رقمية تحاول تقدير احتمال أن تكون الصورة مولدة آليًا، إلا أن نتائج هذه الأدوات ليست معصومة من الخطأ، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها دليلًا نهائيًا.
ومن الطرق المفيدة أيضًا إجراء بحث عكسي عن الصورة، خاصة إذا كانت منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. ويساعد البحث العكسي في معرفة ما إذا كانت الصورة ظهرت من قبل، ومتى بدأ تداولها، وما إذا كانت مرتبطة بحدث أو مكان مختلف عن الوصف المصاحب لها. وقد يكشف ذلك أن صورة قديمة أعيد استخدامها مع معلومات جديدة أو أن صورة معدلة تم تقديمها باعتبارها حقيقية.
كما ينبغي الانتباه إلى الحساب أو الصفحة التي نشرت الصورة. فإذا كانت الصورة مرتبطة بحدث مهم أو شخصية عامة، فمن الأفضل البحث عن صور أو معلومات من جهات موثوقة قبل اعتمادها. وكلما كان الادعاء المرافق للصورة مثيرًا أو صادمًا، زادت الحاجة إلى التحقق منه قبل المشاركة.
وتساعد بيانات الصورة الرقمية، المعروفة باسم البيانات الوصفية أو Metadata، في بعض الحالات على معرفة معلومات مرتبطة بملف الصورة، مثل الجهاز أو البرنامج المستخدم في إنشائها أو تعديلها. لكن هذه البيانات قد يتم حذفها عند رفع الصورة على بعض المنصات، لذلك لا يمكن الاعتماد عليها وحدها لإثبات أن الصورة أصلية أو مولدة بالذكاء الاصطناعي.
ومن المهم أيضًا معرفة أن الصور الحقيقية يمكن تعديلها ببرامج تحرير الصور، كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تعديل جزء من صورة حقيقية فقط، مثل تغيير الخلفية أو إضافة شخص أو إزالة عنصر. لذلك فإن السؤال ليس دائمًا: هل الصورة حقيقية أم مولدة بالكامل؟ فقد تكون الصورة الأصلية حقيقية، لكنها خضعت لتعديلات رقمية غيرت معناها أو سياقها.
ويحتاج التعامل مع الصور المنتشرة عبر الإنترنت إلى قدر أكبر من الوعي الرقمي، خصوصًا مع قدرة المحتوى المرئي على التأثير السريع في المشاهد. فالصورة قد تدفع المستخدم إلى تصديق خبر أو مشاركة معلومة أو اتخاذ موقف قبل أن يتحقق من حقيقتها.
ولهذا ينصح بعدم الاكتفاء بالمظهر البصري للصورة، بل بالنظر إلى السياق المحيط بها، ومقارنة المعلومات الواردة معها بمصادر أخرى، والبحث عن تاريخ نشرها ومكان ظهورها الأصلي. كما يجب تجنب إعادة نشر الصور المشكوك فيها، لأن انتشار المحتوى المضلل يصبح أسرع بكثير عندما يتداوله المستخدمون دون تحقق.
وفي النهاية، لا توجد علامة واحدة يمكنها أن تحسم دائمًا ما إذا كانت الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع التطور المستمر لهذه التقنيات. لكن الجمع بين فحص التفاصيل، والبحث العكسي، ومراجعة مصدر الصورة، والاستعانة بأدوات التحقق، يمكن أن يساعد بشكل كبير على اكتشاف المحتوى المصطنع أو المضلل.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر في صناعة الصور والمحتوى المرئي، أصبح امتلاك مهارات التحقق الرقمي ضرورة لكل مستخدم للإنترنت. فالتعامل الواعي مع الصورة يبدأ من سؤال بسيط: هل أعرف مصدرها وسياقها؟ ثم البحث والتأكد قبل تصديقها أو مشاركتها مع الآخرين.







