لم تكن رحلة الإعلامية “رنده صباحي ” مجرد انتقال بين البلدان، بل كانت رحلة تشكّلت فيها الشخصية قبل أن تتشكل المهنة. وُلدت في العراق، وعاشت سنواتها الأولى بين تفاصيله التي غرست في وجدانها معنى الانتماء، ثم مرت بمحطة قصيرة في الأردن، قبل أن تستقر في القاهرة، المدينة التي احتضنت حلمها، ومنحتها المساحة لتصنع حضورها الإعلامي بثقة، ولتكتب بنفسها فصول رحلتها.
منذ خطواتها الأولى، لم تنظر إلى الإعلام باعتباره طريقًا إلى الشهرة، بل مسؤولية تُمارس بكل وعي واحترام. بدأت مسيرتها المهنية بالتدريب والعمل في أحد المواقع الإخبارية، حيث تعلمت أن الخبر ليس كلمات تُكتب فحسب، بل أمانة تُنقل، وأن الكاميرا لا تكتفي بتوثيق الأحداث، بل تستطيع أن تحفظ ذاكرة الناس، وأن تمنح صوتًا لمن لا يملكون فرصة للحديث.
ومع انتقالها إلى العمل الإعلامي، وجدت شغفها الحقيقي أمام الكاميرا، لتقدم نفسها مذيعة وإعلامية تحمل أسلوبًا مختلفًا، يقوم على الإنصات أكثر من الحديث، وعلى اكتشاف الإنسان الكامن خلف الأسماء والنجومية. وقدمت عبر مسيرتها لقاءات وتغطيات إعلامية مع نخبة من كبار نجوم الفن والثقافة والإبداع، مؤمنة بأن الفنان لا يُختصر في عمل فني، بل في رحلة إنسانية تستحق أن تُروى بكل احترام.
ورغم أن الفن كان بوابة انطلاقتها، فإن الإنسان ظل وجهتها الأولى.
فلم تغب عن الشارع، ولم تكتفِ بالأضواء، بل اختارت أن تكون الكاميرا حاضرة حيث يحتاجها الناس. وقدمت خلال شهر رمضان مبادرة «سؤال وشنطة – رمضان»، التي اقتربت من الأسر الأكثر احتياجًا في قلب الشارع المصري، ليس بهدف نقل معاناتهم، بل لإيصال رسالة عنوانها أن الكرامة الإنسانية تسبق أي صورة، وأن العطاء الحقيقي يبدأ حين يشعر الإنسان بأنه محل تقدير واحترام.
وفي عيد الأم، قدمت برنامج «أنت الحياة»، احتفاءً بالأمهات اللاتي قدّمن أعمارهن في العطاء، إيمانًا منها بأن الأم ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل قيمة إنسانية تستحق الامتنان في كل يوم.
وامتدت رسالتها إلى الأطفال أيضًا، من خلال تنظيم والمشاركة في فعاليات يوم اليتيم، وتغطية الاحتفاليات والأنشطة الخاصة بالأطفال وذوي القدرات الخاصة، وفي مقدمتها فعاليات ومهرجان «أولادنا»، حيث آمنت بأن الإعلام الحقيقي لا يسلط الضوء على المشاهير وحدهم، بل يمنحه كذلك لكل من يصنع الحياة رغم التحديات.
وعلى امتداد رحلتها، لم تفصل رنده صباحي بين الإعلام الفني والعمل الإنساني، بل رأت أن كليهما وجهان لرسالة واحدة؛ فالفن يسمو بالروح، والإنسان يمنح الرسالة معناها، والإعلام الحقيقي هو القادر على الجمع بين الجمال والمسؤولية، وبين الصورة والضمير.
لهذا لم يكن حضورها الإعلامي قائمًا على البحث عن السبق، بقدر ما كان قائمًا على البحث عن الأثر. فآمنت بأن قيمة الإعلامي لا تُقاس بعدد اللقاءات التي أجراها، ولا بعدد الكاميرات التي وقفت أمامه، وإنما بما يتركه من أثر طيب في حياة الناس، وبما يزرعه من أمل، وبما يحمله من احترام لكل قصة يرويها.
واليوم، تواصل رنده صباحي تقديم نموذج إعلامي يجمع بين المهنية والوعي والرسالة، واضعةً الإنسان في قلب كل تجربة، والفن في مكانته التي يستحقها، حتى أصبح اسمها يرتبط بإعلام يرى في الكلمة مسؤولية، وفي الكاميرا أمانة، وفي الإنسان أعظم قصة يمكن أن تُروى
ولهذا، لم يعد حضور رنده صباحي يُعرَّف بكونها إعلامية فحسب، بل بوصفها صوتًا يجمع بين نبض الفن ودفء الإنسانية، ورسالةً تؤمن بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإعلام في حياة الناس هو الأثر. لذلك، لم يكن غريبًا أن يرتبط اسمها بلقب “
سفيرة الإعلام الفني والإنساني”،
بعدما جعلت من الفن رسالةً ترتقي بالوجدان، ومن الإنسانية عهدًا لا تحيد عنه، لتترك في كل تجربة بصمةً صادقةً، وفي كل قلب أثرًا يبقى.


