كتبت رنده صباحي.
تحمل حكايات الوسط الفني المصري الكثير من التفاصيل التي لا يعرفها الجمهور، خاصة تلك المرتبطة بتجارب الإنتاج السينمائي التي بدأت بأحلام كبيرة، لكنها لم تصل دائمًا إلى الشاشة. ومن بين هذه الحكايات قصة شركة «النجوم الثلاثة»، التي يرتبط اسمها بثلاثة فنانين ومبلغ 12 ألف جنيه وفيلم لم ير النور، وهي تفاصيل تفتح الباب أمام الحديث عن طبيعة الإنتاج السينمائي في مراحل سابقة، والتحديات التي واجهت أصحاب المشروعات الفنية.
لم يكن تأسيس شركات الإنتاج في الماضي أمرًا سهلًا، إذ احتاج إلى قدر من المغامرة والثقة في المشروع، إلى جانب القدرة على توفير الأموال اللازمة للتصوير والتجهيزات والتوزيع. وكان نجاح أي تجربة يتوقف على عوامل كثيرة، من بينها اختيار القصة المناسبة، وتوافر الفنانين، وإمكانية تنفيذ العمل وفق الإمكانات المتاحة، فضلًا عن فرص وصوله إلى دور العرض.
شركة النجوم الثلاثة وحلم صناعة السينما
تثير حكاية شركة «النجوم الثلاثة» الاهتمام بسبب اجتماع ثلاثة فنانين في تجربة إنتاجية ارتبطت بمبلغ 12 ألف جنيه، وبمشروع فيلم لم يصل إلى مرحلة العرض. وتمنح هذه التفاصيل القصة طابعًا خاصًا، لأنها تعكس جانبًا من المحاولات التي شهدتها صناعة السينما، عندما كان الفنانون يفكرون أحيانًا في خوض تجربة الإنتاج بدلًا من الاكتفاء بالتمثيل أمام الكاميرا.
وكانت مثل هذه التجارب تقوم في كثير من الأحيان على الرغبة في امتلاك مساحة أكبر من الحرية الفنية، واختيار الموضوعات والشخصيات التي يرى أصحاب المشروع أنها تستحق التقديم. لكن الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ يحتاج إلى خطوات متتابعة، تبدأ بالإعداد والتمويل، ثم اختيار فريق العمل، وصولًا إلى التصوير والمونتاج والتوزيع.
وفي حال تعثر إحدى هذه المراحل، قد يتوقف المشروع قبل أن يرى الجمهور نتيجته. وقد تظل بعض الأفلام حبيسة الأوراق أو مراحل التحضير، رغم ما بذله أصحابها من جهد أو ما وضعوه من آمال على نجاحها.
12 ألف جنيه في كواليس التجربة
يمثل مبلغ 12 ألف جنيه أحد أبرز الأرقام المرتبطة بعنوان هذه الحكاية، ويكتسب أهميته عند النظر إلى اختلاف ظروف الإنتاج السينمائي من فترة إلى أخرى. فتكلفة الفيلم لا تتوقف على أجور الفنانين وحدها، وإنما تشمل كذلك التجهيزات الفنية، وأماكن التصوير، وأجور العاملين، والمعدات، وغيرها من المتطلبات التي تختلف بحسب طبيعة العمل والمرحلة الزمنية التي جرى فيها الإعداد له.
ومن هنا، فإن فهم قيمة المبلغ يتطلب معرفة السنة التي وقعت فيها الأحداث، وطبيعة الاتفاق بين الفنانين، وما إذا كان المبلغ يمثل رأس مال الشركة أو جزءًا من ميزانية الفيلم أو قيمة مرتبطة باتفاق محدد. ومن دون هذه التفاصيل، لا يمكن تقديم تقدير دقيق لحجم التجربة أو مقارنتها بميزانيات الإنتاج في الوقت الحالي.
رشدي أباظة وفريد شوقي ونادية لطفي.. بداية الحكاية
بدأت الفكرة خلال تصوير فيلم «العيب»، عندما التقى رشدي أباظة بصديقه فريد شوقي، ودار بينهما حديث عن السينما وإمكانية تقديم فيلم جديد يجمعهما، خاصة بعد النجاح الذي حققاه في فيلم «طريق الشيطان». رحب فريد شوقي بالمقترح، ثم تواصل رشدي أباظة مع نادية لطفي، التي وافقت على المشاركة في المشروع، لتتحول الفكرة إلى اتفاق جاد على تأسيس شركة إنتاج.
واجتمع الفنانون الثلاثة في شقة رشدي أباظة، بحضور المحامي لبيب معوض، لإتمام إجراءات تأسيس الشركة واختيار اسم «النجوم الثلاثة». وكان الهدف الأساسي إنتاج فيلم يجمعهم، ويمنحهم فرصة تقديم عمل يختارون تفاصيله الفنية بأنفسهم.
وبعد الاتفاق على السيناريو الذي سيبدأ به المشروع، ظهرت الحاجة إلى التعاقد مع موزع سينمائي لتأمين وصول الفيلم إلى دور العرض. وهنا بدأت الخلافات التي أثرت على مستقبل التجربة، بعدما تجاوز النقاش الجوانب المالية والإنتاجية إلى التدخل في التفاصيل الفنية للعمل.
خلاف مع الموزع ينهي الحماس
لم يتقبل رشدي أباظة تدخل الموزع في اختيارات الفيلم الفنية، واشتد الخلاف بينهما خلال الاجتماع الذي عُقد في مكتبه. وتروي الحكاية أن أباظة فقد أعصابه واندفع نحو الموزع، ما دفع فريد شوقي ونادية لطفي إلى التدخل لإنهاء الموقف. وغادر الموزع المكان بعد المشادة، بينما انتهى اللقاء بصورة لم تكن متوقعة في بداية المشروع.
ورغم أن هذه الواقعة لم تكن وحدها السبب المباشر في نهاية الشركة، فإنها أظهرت حجم الخلاف الذي قد ينشأ بين أصحاب الرؤية الفنية والجهات المسؤولة عن توزيع الأعمال، خصوصًا عندما تتداخل الاعتبارات التجارية مع القرارات الإبداعية.
وبعد ذلك، انشغل الفنانون الثلاثة باللقاءات والسهرات والحفلات التي كانوا يقيمونها للأصدقاء، ولم تتقدم خطوات الإنتاج بالصورة التي خططوا لها. ومع مرور الأشهر، اكتشفوا أن رأس المال الأصلي، الذي بلغ 12 ألف جنيه، انخفض إلى 6 آلاف جنيه فقط، فقرروا تقسيم المبلغ المتبقي وإنهاء التجربة.
شركة انتهت وبقيت الحكاية
لم تقدم شركة «النجوم الثلاثة» فيلمًا واحدًا، رغم أن وراءها أسماء بارزة في تاريخ السينما المصرية. ومع ذلك، ظلت قصتها واحدة من الحكايات التي تكشف أن اجتماع النجومية والصداقة والطموح لا يضمن بالضرورة نجاح المشروعات الفنية.
وتكشف التجربة كذلك عن جانب مختلف من حياة رشدي أباظة وفريد شوقي ونادية لطفي، بعيدًا عن أدوارهم أمام الكاميرا، إذ جمعتهم الرغبة في خوض مغامرة إنتاجية مستقلة، قبل أن تتوقف الفكرة لأسباب ارتبطت بالتنفيذ والتمويل وإدارة المشروع.
وهكذا بقيت شركة «النجوم الثلاثة» حكاية عن فيلم لم يصل إلى الجمهور، وتجربة قصيرة جمعت ثلاثة من نجوم الزمن الجميل، لكنها لم تتحول إلى إنتاج سينمائي ملموس. وربما تكمن أهمية القصة اليوم في أنها تذكرنا بأن تاريخ السينما لا تصنعه الأفلام التي عُرضت فقط، بل تضم صفحاته أيضًا مشروعات لم تكتمل، وأحلامًا توقفت قبل أن تتحول إلى أعمال يراها المشاهدون.







