كتبت نوره قاسم.
تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنانة نعيمة عاكف، التي ولدت في 7 أكتوبر عام 1929 بمدينة طنطا، وسط أسرة ارتبطت بالسيرك والاستعراض. ومنذ طفولتها عرفت أجواء المسرح والحركة والألعاب البهلوانية، فكان السيرك بمثابة المدرسة الأولى التي اكتشفت من خلالها موهبتها، قبل أن تنتقل إلى القاهرة وتبدأ مرحلة جديدة في حياتها.
لم تكن طفولة نعيمة عاكف سهلة، فقد اضطرت في سن صغيرة إلى العمل ومساعدة أسرتها، وبعد انفصال والدتها عن والدها، انتقلت الأم مع بناتها إلى القاهرة. وهناك بدأت نعيمة وأخواتها تقديم بعض الألعاب والاستعراضات في الشوارع، في محاولة لتوفير مصدر دخل للأسرة.
هذه الظروف الصعبة لم تمنع نعيمة من تطوير موهبتها، بل كانت دافعًا لها حتى تصبح أكثر إصرارًا على النجاح. ووصل صدى موهبتها إلى الفنان علي الكسار، الذي قرر الاستعانة بها وبشقيقاتها ضمن فرقته، مقابل أجر شهري بلغ 12 جنيهًا في ذلك الوقت.
كانت مشاركتها مع فرقة الكسار خطوة مهمة في مشوارها، إذ أتاحت لها الوقوف على المسرح أمام الجمهور بشكل أكثر احترافية. ولم يستغرق الأمر طويلًا حتى لفتت نعيمة الأنظار بخفة حركتها وحضورها وقدرتها على تقديم الألعاب والاستعراضات، لتأتي بعدها فرصة جديدة مع واحدة من أشهر صاحبات الفرق الفنية في ذلك العصر، وهي بديعة مصابني.
شاهدت بديعة مصابني نعيمة وأعجبت بموهبتها، فعرضت عليها الانتقال إلى فرقتها مقابل 15 جنيهًا شهريًا، لتبدأ مرحلة جديدة حملت لها الكثير من الخبرات الفنية. وفي فرقة بديعة، وجدت نعيمة نفسها وسط مجموعة من الفنانين والاستعراضيين، وتعلمت الكثير عن الوقوف على المسرح والتعامل مع الجمهور.
ومن أشهر الحكايات المرتبطة بهذه الفترة، قصة تعلم نعيمة عاكف لرقصة الكلاكيت. فقد كانت هناك فتاة في فرقة بديعة تدعى تيشي، تقدم المونولوجات مصحوبة برقصات الكلاكيت، وكانت بديعة تشيد بموهبتها باستمرار. أثار ذلك إعجاب نعيمة ورغبتها في خوض التجربة، لكنها لم تكن تملك المال الكافي للحصول على دروس خاصة.
لم تستسلم نعيمة، وقررت أن تتعلم بنفسها. وتروي الحكايات المتداولة عن تلك الفترة أنها استفادت من غياب تيشي، وتعرفت على حذاء الكلاكيت الخاص بها، ثم بدأت في تقليد الحركات والتدريب عليها لساعات. وبعد ذلك استعانت بصانع أحذية لتنفيذ حذاء مشابه يساعدها في التدريب، واستمرت في المحاولة حتى أتقنت الرقصة.
وبعد فترة طلبت من بديعة مصابني أن تمنحها فرصة لتقديم رقصة الكلاكيت أمام الجمهور. ورغم تردد بديعة في البداية، حصلت نعيمة على الفرصة، وقدمت الرقصة بنجاح، لتنتهي الفقرة بتصفيق الجمهور وبديعة نفسها.
لم تكن هذه الحكاية مجرد موقف عابر في حياة نعيمة عاكف، لكنها عبرت عن شخصية فنية اعتمدت على الاجتهاد والرغبة في التعلم. فقد كانت تعرف أن الموهبة وحدها لا تكفي، ولذلك حاولت أن تضيف إلى قدراتها في الرقص والاستعراض والغناء والمونولوج.
ومع مرور الوقت، بدأت نعيمة عاكف تخطو خطواتها الأولى نحو السينما، وقدمت عددًا من الأعمال التي ساعدتها على تثبيت اسمها بين نجوم الفن. ثم جاء تعاونها مع المخرج حسين فوزي ليشكل مرحلة مهمة في مشوارها، حيث قدمت معه مجموعة من الأفلام التي أظهرت قدراتها الاستعراضية والتمثيلية.
امتلكت نعيمة عاكف شخصية فنية متكاملة، فلم تكن مجرد راقصة أو استعراضية، بل استطاعت الجمع بين خفة الظل والتمثيل والغناء والرقص، وهو ما جعلها واحدة من الأسماء البارزة في تاريخ السينما الاستعراضية المصرية.
ورغم أن مشوارها الفني لم يمتد طويلًا، فإنها تركت مجموعة من الأعمال التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور، وظل اسمها مرتبطًا بالحيوية والابتسامة والاستعراض. وفي ذكرى ميلادها، تبقى حكايتها مع الكسار وبديعة مصابني واحدة من أهم المحطات التي تكشف كيف بدأت رحلة فتاة صغيرة من عالم السيرك، حتى أصبحت نجمة لها مكانتها الخاصة في تاريخ الفن المصري.







