كتبت رندة صباحي.
تحل اليوم ذكرى ميلاد ورحيل الفنانة ناهد رشدي، التي ارتبط اسمها بواحدة من أشهر الشخصيات النسائية في الدراما المصرية، بعدما نجحت في تقديم أدوار تركت أثرًا واضحًا لدى الجمهور، وفي مقدمتها شخصية «سنية» في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي»، ذلك العمل الذي تحول مع مرور السنوات إلى واحد من الأعمال الدرامية الراسخة في الذاكرة المصرية.
ولدت ناهد رشدي في 14 سبتمبر عام 1956، وكان من المفارقات المؤثرة في حياتها أن يوم ميلادها نفسه أصبح لاحقًا تاريخ رحيلها، إذ توفيت في 14 سبتمبر 2024 عن عمر ناهز 68 عامًا، بعد رحلة مع المرض. ورغم مرور الوقت على رحيلها، لا تزال أعمالها وشخصياتها حاضرة، خاصة لدى جمهور الدراما التي ارتبطت بتفاصيل الحياة الأسرية والمجتمع المصري.
بداية فنية من المسرح والدراما
اختارت ناهد رشدي الفن طريقًا لها، فالتحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرجت في قسم التمثيل عام 1982، لتنطلق بعدها في مشوار فني امتد لسنوات طويلة، قدمت خلالها العديد من الشخصيات المتنوعة بين التلفزيون والمسرح والسينما.
ومع مرور الوقت، أصبحت واحدة من الوجوه المميزة في الدراما المصرية، خاصة خلال فترة التسعينيات، وهي الفترة التي شهدت تقديمها مجموعة من الأعمال المهمة التي جعلت الجمهور يتعرف على موهبتها بصورة أكبر.
لم تكن ناهد رشدي تعتمد على البطولة المطلقة حتى تحقق النجاح، وإنما استطاعت من خلال أدوارها المساندة والشخصيات المركبة أن تترك بصمة خاصة، وهو ما جعلها قريبة من الجمهور وقادرة على التعبير عن نماذج مختلفة من المرأة المصرية.
«سنية».. الشخصية التي صنعت ارتباطًا خاصًا بالجمهور
يبقى مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» من أبرز المحطات في مسيرة ناهد رشدي، حيث قدمت شخصية «سنية»، ابنة عبد الغفور البرعي، ضمن أحداث العمل الذي جمع عددًا كبيرًا من نجوم الدراما المصرية، من بينهم نور الشريف وعبلة كامل.
وقدمت ناهد رشدي الشخصية ببساطة وتلقائية، فظهرت «سنية» كفتاة تنتمي إلى أسرة مصرية، تعيش تفاصيل الحب والزواج والأسرة، قبل أن تواجه أزمة بسبب ارتباطها برجل كان ينظر إلى ثروة والدها باعتبارها هدفًا أساسيًا.
ونجحت الفنانة في جعل الشخصية تبدو طبيعية وقريبة من الحياة اليومية، وهو ما ساعد على بقاء «سنية» في ذاكرة المشاهدين حتى بعد مرور سنوات طويلة على عرض المسلسل.
ومن أشهر المشاهد التي ارتبط بها الجمهور في العمل مشهد زفاف «سنية»، الذي تميز بأجواء تلقائية جعلت المشاهد يشعر وكأنه أمام فرح حقيقي وليس مجرد مشهد تمثيلي. وكانت ناهد رشدي قد تحدثت في وقت سابق عن كواليس تصوير هذا المشهد، موضحة أن المخرج أحمد توفيق منح الفنانين مساحة للتصرف بصورة طبيعية أثناء التصوير.
كما تحدثت عن علاقتها بالفنانة عبلة كامل، التي جسدت دور والدتها في المسلسل، مشيرة إلى أن الفارق العمري بينهما كان محدودًا للغاية، لكن عبلة كامل كانت تتعامل معها باعتبارها ابنتها داخل العمل وخارجه.
أعمال متنوعة وبصمة في الدراما المصرية
لم يتوقف حضور ناهد رشدي عند «لن أعيش في جلباب أبي»، فقد شاركت في عدد كبير من الأعمال الدرامية التي تنوعت بين الاجتماعي والتاريخي والشعبي، ومن بينها «أرابيسك»، و«هوانم جاردن سيتي»، و«الزيني بركات»، و«واحة الغروب»، إلى جانب أعمال أخرى حققت حضورًا لدى المشاهدين.
كما شاركت في أعمال حديثة نسبيًا، من بينها مسلسل «الاختيار»، الذي قدمت خلاله شخصية والدة أحد الشهداء، لتؤكد قدرتها على تقديم أدوار مختلفة رغم مرور سنوات طويلة على بداية مسيرتها.
وعلى مدار مشوارها الفني، قدمت أكثر من مائة عمل في مجالات التلفزيون والسينما والمسرح، وظلت قادرة على الانتقال بين الشخصيات دون أن تفقد أسلوبها الخاص في الأداء.
ابتعاد عن الشاشة واهتمام بالأسرة
مرت ناهد رشدي بفترات ابتعدت خلالها عن الشاشة، وكان من بينها فترة امتدت لعدة سنوات في بداية الألفية الجديدة، حيث تفرغت لأسرتها وأبنائها إلى جانب ظروفها الصحية.
ورغم ابتعادها عن الظهور المكثف في الدراما التلفزيونية، لم تنقطع تمامًا عن الفن، وشاركت في عروض مسرحية دينية خلال شهر رمضان مع مسرح الدولة، وهو ما عكس استمرار ارتباطها بالمجال الفني حتى خلال فترات الغياب عن الشاشة.
وكانت حياتها الخاصة بعيدة إلى حد كبير عن الأضواء، وهو ما جعل الجمهور يتعرف عليها في المقام الأول من خلال أدوارها وأعمالها الفنية.
رحيل في يوم الميلاد
جاء رحيل ناهد رشدي في 14 سبتمبر 2024 ليضيف إلى سيرتها واحدة من أكثر المفارقات تأثيرًا، إذ غابت في اليوم الذي ولدت فيه قبل 68 عامًا.
وأثار خبر وفاتها حالة من الحزن بين زملائها ومحبيها، خاصة أن الجمهور لم يكن ينظر إليها باعتبارها مجرد فنانة قدمت أدوارًا مختلفة، بل باعتبارها واحدة من الوجوه التي ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ الدراما المصرية.
ورغم غيابها، بقيت أعمالها قادرة على الوصول إلى أجيال جديدة من المشاهدين، خصوصًا مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي»، الذي لا يزال حاضرًا على الشاشات والمنصات، وتظل شخصية «سنية» واحدة من الشخصيات التي يتذكرها الجمهور كلما عاد لمشاهدة العمل.
وهكذا تركت ناهد رشدي إرثًا فنيًا يتجاوز عدد الأعمال التي شاركت فيها، لأن قيمته الحقيقية تكمن في الشخصيات التي استطاعت أن تمنحها روحًا خاصة، وفي قدرتها على تقديم المرأة المصرية بصورة بسيطة وصادقة. وبينما تمر ذكرى ميلادها ورحيلها، تظل صورتها حاضرة من خلال الشاشة، وتبقى «سنية» شاهدة على موهبة فنانة استطاعت أن تصنع لنفسها مكانًا دائمًا في ذاكرة الدراما المصرية.







