عبدالله البراك.. من شغف الصحراء إلى توثيق ذاكرة النباتات البرية.
كتب أحمد زينهم.
لا ينظر الرحّال والباحث المهتم بالنباتات البرية عبدالله منصور البراك، المعروف بـ«أبو منصور»، إلى الصحراء باعتبارها مساحة للرحلات فحسب، بل يتعامل معها باعتبارها سجلًا مفتوحًا للمعرفة، تختبئ بين تضاريسها نباتات نادرة وأسماء قديمة وحكايات بيئية توارثتها الأجيال.
ومن خلال رحلاته الميدانية داخل البيئة السعودية، انشغل البراك بالتعرف على النباتات في مواطنها الأصلية، وتوثيق أسمائها المتداولة قديمًا، إلى جانب رصد ما يرتبط بها من معلومات وموروثات شعبية. ويمنحه هذا الاهتمام مساحة تجمع بين الاستكشاف والمعرفة والحفاظ على جانب من الذاكرة البيئية المحلية.

ومن بين النباتات التي حظيت باهتمامه نبات «الروثة»، حيث ارتبط البحث عنه بذكريات قديمة ومعرفة ميدانية اكتسبها منذ طفولته، قبل أن تتحول تلك المعرفة إلى اهتمام أكثر اتساعًا بالنباتات البرية ومواقع انتشارها وطبيعة البيئة التي تنمو فيها.
ولا تتوقف رحلة البراك عند النباتات، إذ تمتد اهتماماته إلى الكهوف والجبال والأحافير والنحل والعسل ومختلف مظاهر البيئة الصحراوية، وهو ما يجعل رحلاته أقرب إلى جولات بحثية مفتوحة، يحاول خلالها قراءة تفاصيل المكان وربط عناصره ببعضها.
وظهر «أبو منصور» في إحدى حلقات بودكاست «شغلة» متحدثًا عن عدد من تجاربه في البرية، من بينها تجربة انعزال داخل الكهوف قال إنها امتدت شهرين ونصف الشهر، كما تناول مواقف مرتبطة بالنباتات البرية، من بينها تعرضه للتسمم بعد لمس نبات بري سام، مؤكدًا أهمية التعامل مع الأعشاب والنباتات بحذر وعدم استخدامها أو خلطها دون معرفة طبيعتها وخصائصها.
وتحمل معرفته بالنباتات جانبًا يرتبط باللغة والتراث؛ إذ يهتم بالأسماء العربية والمحلية القديمة للنباتات، وهي أسماء تمثل جزءًا من الذاكرة الشعبية للبيئة، وقد تتراجع معرفتها مع تغير أنماط الحياة وابتعاد الأجيال الجديدة عن البيئات البرية.
كما شملت اهتماماته الأحافير والظواهر الجيولوجية، ومن بينها الخشب المتحجر، إلى جانب مشاركته في رحلات برية مع مجموعات من الرحالة، ظهر خلالها وهو يعرّف المشاركين على أنواع من النباتات والتضاريس والظواهر الطبيعية التي تصادفهم خلال رحلاتهم.
ويبدو هذا التنوع امتدادًا لفكرة أساسية في تجربة البراك؛ فالنبات عنده ليس عنصرًا منفصلًا عن المكان، وإنما جزء من منظومة تضم الأرض وتاريخها الجيولوجي والحياة الفطرية والإنسان الذي عاش في هذه البيئة وتعلم تفاصيلها عبر الزمن.
ومع انتقال جزء من هذه التجربة إلى منصات التواصل الاجتماعي، أصبح محتواه نافذة إضافية على عالم الرحلات والطبيعة، حيث يظهر عبر حسابه على «سناب شات» باسم عبدالله البراك (أبو منصور)، مقدمًا جانبًا من اهتماماته بالنباتات والأحافير والبيئة والاستكشاف.
وتمنح تجربة عبدالله منصور البراك للرحلة البرية معنى يتجاوز المغامرة؛ فهي محاولة مستمرة لاكتشاف ما تخبئه الأرض، والاقتراب من نباتاتها وأسمائها وتاريخها، وحفظ معلومات قد لا تجد طريقها إلى الأجيال الجديدة إلا من خلال التوثيق والرواية والممارسة الميدانية.
وبين نبتة نادرة، وكهف، وأحفورة، ومعلومة متوارثة، يواصل «أبو منصور» رحلاته في الصحراء السعودية، مدفوعًا بفضول الباحث وشغف الرحّال، ليجعل من كل رحلة فرصة جديدة لاكتشاف جزء من ذاكرة الطبيعة التي لا تزال تحمل الكثير من الأسرار.







