كتبت نوره قاسم.
في مناسبة تحتفي بتاريخ النغم المصري وامتداده عبر الأجيال، تشارك وزارة الثقافة في إحياء «اليوم المصري للموسيقى»، الذي يوافق 15 سبتمبر من كل عام، بالتزامن مع ذكرى رحيل الفنان سيد درويش، أحد أبرز الأسماء التي شكّلت وجدان الموسيقى المصرية الحديثة.
وأعلن المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، أن كلمة الاحتفال هذا العام كتبها الموسيقار الكبير الدكتور راجح داوود، على أن تُقرأ قبل انطلاق الفعاليات المقرر إقامتها بهذه المناسبة، من خلال أحد الرموز الموسيقية المشاركة في الاحتفالات.
وتنطلق كلمة راجح داوود من رؤية تعتبر الموسيقى جزءًا أصيلًا من تكوين الحضارة المصرية، وليست مجرد شكل من أشكال الترف الفني، مستعيدًا حضورها في حياة المصري القديم، كما وثقتها جدران المعابد والمقابر من مشاهد للعازفين والمغنين والراقصين والاحتفالات والطقوس المختلفة.
ويشير داوود إلى أن الموسيقى ارتبطت منذ الحضارة المصرية القديمة بإيقاع الحياة نفسها، مؤكدًا أن التناغم لا يعني التطابق، وإنما يعكس القدرة على التعايش والتآلف والتكاتف رغم الاختلاف، وهي قيم يرى أنها ظلت حاضرة في ملامح الشخصية المصرية عبر العصور.
وتتوقف الكلمة أمام محطات بارزة في مسيرة الموسيقى المصرية، وفي مقدمتها تجربة سيد درويش، الذي أحدث تحولًا لافتًا في علاقة الموسيقى بالمجتمع، وانتقل بها من دوائر الصالونات والنخب إلى مساحات أوسع ارتبطت بالعامل والفلاح والجندي والشارع، قبل أن تتواصل رحلة التطور عبر أسماء صنعت علامات فارقة في تاريخ الغناء والتلحين، من القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب والسنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وصولًا إلى بليغ حمدي ومحمد فوزي ومحمد الموجي.
كما تستعرض الكلمة مسار الموسيقى السيمفونية والأكاديمية المصرية، وما قدمه موسيقيون ومؤلفون من أجيال مختلفة، من يوسف جريس وأبو بكر خيرت وجمال عبد الرحيم وحليم الضبع وعزيز الشوان ورفعت جرانة وعطية شرارة وجمال سلامة وغيرهم، في حوار إبداعي مع تقاليد الموسيقى الكلاسيكية الغربية.
ويمتد المشهد في رؤية داوود إلى الأغنية الشعبية وتطوراتها، وصولًا إلى تجارب وردة ورشدي ثم أحمد عدوية، باعتبارها نماذج أكدت قدرة اللحن المصري على مخاطبة الشارع بلغته، دون أن يفقد ثراءه الفني أو قيمته الموسيقية.
ولا تتوقف رحلة التجديد عند تلك المراحل، إذ ترصد الكلمة امتدادها إلى تجارب هاني شنودة وفتحي سلامة ومحمد منير وعمرو دياب، ثم ظهور فرق موسيقية معاصرة مثل مسار إجباري وكايروكي، بما يعكس حالة مستمرة من البحث والتجريب والتنوع داخل المشهد الموسيقي المصري.
ويضع راجح داوود هذه المراحل المتعاقبة في إطار أشبه بطبقات الحضارة المصرية نفسها؛ أجيال وقوالب واتجاهات وأساليب إنتاج وتوزيع موسيقي تتراكم دون أن يلغي أحدها الآخر، لتبقى الموسيقى مساحة واسعة تستوعب اختلاف الذائقة وتنوع الجمهور.
وتختتم الكلمة برؤية للموسيقى المصرية باعتبارها ذاكرة لا تنفصل عن المستقبل؛ فهي تحمل صوت الماضي، لكنها تواصل البحث عن صوت جديد يواكب الزمن، في رحلة إبداعية مفتوحة لا تنتهي، عنوانها الأبرز: «الموسيقى المصرية».







