حوار رنده صباحي.
بصوتٍ يحمل عبق الطرب الأصيل وروحًا تعرف كيف تواكب العصر، تواصل المطربة المغربية أمنية محمد رحلتها الفنية بثبات، رافضة أن يكون التطور على حساب هويتها.
وفي حوار خاص مع «سلام نيوز»، تكشف أمنية عن أسرار اختياراتها الفنية، وتأثير الراحل إبراهيم العلمي في مسيرتها، ورؤيتها لمستقبل الأغنية العربية، وموقفها من سباق «الترند»، لتفتح قلبها للحديث عن الأصالة والتجديد وما تطمح إلى تقديمه خلال الفترة المقبلة.
يطلق عليكِ جمهورك “سفيرة الطرب الأصيل”.. هل تعتبرين هذا اللقب مكسبًا أم مسؤولية قد تقيد اختياراتك الفنية؟
محبة الناس وثقتهم أكبر مكسب، واللقب تاج على رأسي. لكنه في نفس الوقت أمانة كبيرة تجعلني أفكر ألف مرة قبل اختيار أي كلمة أو لحن. هو لا يقيدني بقدر ما يذكرني دائمًا بالمسؤولية الكبيرة تجاه الذوق العام وبضرورة تقديم فن راقٍ يحترم أذن المستمع ويليق بمكانة هذا اللقب.
هل شعرتِ يومًا أن تمسكك بالطرب الأصيل حرمك من فرص جماهيرية أوسع؟
لا أستطيع القول إنه حرمني بالمعنى الحرفي، لكن في بداياتي وفي مرحلة معينة، نعم.. وجدت نفسي حصرت نفسي نوعًا ما داخل هذا الإطار الملتزم واللون الطربي المباشر، وهذا جعل نظرة البعض لي ترتبط باللون الكلاسيكي فقط. لكن الحقيقة أن الفنان الذكي لا يجب أن يحصر نفسه في زاوية واحدة؛ فالتمسك بالأصالة لا يعني أبدًا الجمود أو الانعزال عن الروح العصرية. أنا لديّ أغانٍ عصرية كثيرة ومواكبة للزمن الحالي، وأرى أنه من الضروري جدًا مواكبة العصر والتجدد باستمرار لتصل لجميع الأجيال، دون أن تفقد جوهرك الفني. المعادلة بالنسبة لي ليست “إما طرب وإما معاصرة”، بل كيف تجمع بين عمق الطرب الأصيل وروح العصر الحالية بذكاء واحترام لجميع الأذواق.

ما أول نصيحة قالها لك الفنان إبراهيم العلمي ولا تزال تؤثر في قراراتك الفنية؟
الأستاذ إبراهيم العلمي -رحمه الله- كان يكرر عليّ دائمًا جملة أصبحت دستوري الفني: “العبرة مش بالكم، العبرة بالكيف والجودة”. كان يقول لي إن عملًا واحدًا مصنوعًا بإتقان ورقيّ كفيل بأن يعيش عقودًا ويبقى راسخًا في أذهان الناس، أفضل بكثير من عشرات الأغاني التي تذهب مع الريح. وهذه النصيحة هي التي أخذتها معي طوال مشواري، وحتى خلال فترات غيابي؛ فالفنان الحقيقي قد يبتعد، لكنه عندما يعود لجمهوره يجب أن يطلّ بـ “كلاس” وقيمة تليق باسمه وباحترامه للمستمع، لأن الأغنية القوية هي التي تفرض حضورها مهما طال الزمن.

لو لم يكن إبراهيم العلمي حاضرًا في بداياتك.. هل كانت أمنية ستصبح المطربة نفسها؟
حضور قامة بحجم الأستاذ إبراهيم العلمي -رحمه الله- في بداياتي كان بمثابة فرصة حقيقية ومفصلية؛ فالفنان مهما امتلك من خامة وإحساس، يحتاج للفرصة الذكية والجهة التي توجه موهبته وتصقلها في الوقت المناسب. لكن في نفس الوقت، لو لم تكن هناك موهبة حقيقية وشغف أصيل داخلي، لما استطاعت أي فرصة أو توجيه أن يصنعا مطربة تسكن قلوب الناس. الأستاذ إبراهيم اختصر عليّ سنوات من البحث وشكّل ذائقتي مبكرًا، لكن الموهبة كانت هي الأرض الصلبة التي وقفت عليها والدافع الذي جعلني أستمر وأضع بصمتي الخاصة.
هل واجهتِ ضغوطًا لتقديم لون غنائي مختلف، ورفضتِ حفاظًا على مسيرتك الفنية؟
طبيعي، الساحة اليوم تفرض عليكِ إيقاعات معينة بحجة “السائد والأكثر طلبًا”. رفضتُ الكثير من الأعمال رغم المغريات، لأنني لو قدمت شيئًا لا يشبهني سأفقد نفسي قبل أن أفقد جمهوري.

هل سبق أن رفضتِ أغنيات كانت مضمونة النجاح لأنها لا تشبه مشروعك الفني؟
نعم، ومرات متعددة. النجاح التجاري السريع اليوم أصبح سهلاً جداً، لكن أغلب هذه الأعمال أصبحت استهلاكية ولحظية تعيش أسبوعين ثم تُنسى. أنا أرفض الأعمال التي تُصنع لمجرد “الترند” الخاطف ولا تترك أي أثر حقيقي.
ماذا يعني لك الوقوف على مسرح دار الأوبرا المصرية تحديدًا؟
الوقوف على مسرح دار الأوبرا المصرية هو شهادة اعتبار واختبار حقيقي لأي فنان عربي. هو المكان الذي يلتقي فيه الفن بالذائقة الرفيعة، ويشعر فيه المطرب بالمسؤولية والتتويج في الوقت ذاته؛ لما لهذا المسرح من رهبة خاصة وهيبة تاريخية لا تُوصف.

هل جمهور الأوبرا اليوم يختلف عن جمهور الحفلات الجماهيرية في استقبال الأغنية؟
جمهور الأوبرا يأتي وهو متهيئ للإنصات والتركيز في كل عربة وتفصيلة صوتاً ولحناً، بينما جمهور المهرجانات والحفلات يغلب عليه الحماس والتفاعل الجماهيري. كلاهما غالٍ على قلبي، لكن لكل مسرح طقوسه.
أغنية “يا عم روح” بدت مختلفة عن اللون الذي اعتاد عليه جمهورك.. هل هي بداية لمرحلة جديدة؟
هي لمسة تجديد وتغيير للمود وليست تغييراً للهوية. أحببت تقديم جانب خفيف وعفوي ينتمي للغة اليومية القريبة من الشارع والناس دون تكلّف، مع الحفاظ على جودة اللحن والإنتاج الموسيقي والتقديم الراقِي.
كيف جاءت فكرة الأغنية؟ وهل كنتِ متخوفة من ردود فعل جمهور الطرب؟
الفكرة نبعت من رغبتي في تقديم لون مليء بالحيوية والمداعبة بمفردات بسيطة ومباشرة من حياتنا اليومية. التخوف طبيعي، لكن الأغنية لم تُقدم كعمل طربي ثقيل، بل كحالة خفيفة وقريبة من الشارع، وهو ما تفاعل معه الجمهور والحمد لله.
هل النجاح اليوم يُقاس بعدد المشاهدات أم بقدرة الأغنية على البقاء؟
المشاهدات أرقام شاشة لحظية، والواقع أن معظم الأغاني اليوم أصبحت لا تعيش طويلاً وتختفي سريعاً. النجاح الحقيقي والاستثنائي هو أن يخرج العمل من هذه الموجة الاستهلاكية ويستطيع الصمود والعيش في ذاكرة الناس.
ما أكثر ما ينقص الأغنية العربية اليوم من وجهة نظرك؟
ينقصها العمق والتمهل. الساحة أصبحت تعتمد على الإنتاج السريع واللحظي على حساب الكلمة الجميلة واللحن المنسوج بعناية، وكأن الهدف أصبح مجرد التواجد والتصدر المؤقت وليس صناعة أثر يدوم.
هل هناك أصوات شابة لفتت انتباهك وتؤمنين بأنها قادرة على حمل راية الطرب الأصيل؟
الساحة مليئة بالمواهب الشابة التي تمتلك خامات صوتية عظيمة وتدعو للفخر، لكنهم يحتاجون لجهة إنتاجية تؤمن بهم وتوجههم نحو الاختيارات الجادة بدلاً من الانجراف وراء الموضة.
ما رأيك في إعادة إحياء التراث الغنائي؟ وهل يجب أن تكون له ضوابط؟
أنا مع إعادة تقديم التراث لأنه يربط الأجيال الجديدة بأصولهم الموسيقية، لكن بشرط أساسي: الاحترام والتطوير الذكي بدون تشويه للروح الأصلية للعمل.
هل هناك دويتو تحلمين بتقديمه مع مطرب مصري؟
مصر ولادة بالأصوات والقامات العظيمة. يسعدني دائماً التعاون مع أي صوت يمتلك إحساساً صادقاً وروحاً طربية تشبه خطي الفني لتقديم عمل يليق بالجمهور.
هل تلقيتِ عروضًا للتمثيل أو للمشاركة في أعمال سينمائية وتلفزيونية؟
نعم، عُرضت عليّ بالفعل عروض كثيرة ومغريات للمشاركة في أعمال سينمائية وتلفزيونية متعددة، لكن تركيزي الأول والأخير كان ولا يزال منصباً على مشروعي الغنائي والموسيقي. التمثيل خطوة مؤجلة وليست مستبعدة؛ فلو وُجد سيناريو ودور يناسب هويتي الفنية ويضيف لي قيمة حقيقية، فلم لا؟
ما المشروع الغنائي الذي تعملين عليه حاليًا ولم يُعلن عنه بعد؟
أعمل حالياً على تجهيز مجموعة أعمال جديدة تمزج بين الروح الطربية والتوزيع الحديث، بالإضافة لتجهيزات خاصة بمشاركات قادمة في عدد من المهرجانات، وسنعلن عن التفاصيل قريباً.
بعد كل هذه الرحلة.. ماذا تريدين أن يكتبه التاريخ بجوار اسمكِ؟
أتمنى أن يُقال: “فنانة احترمت عقل وذوق جمهورها، وأخلصت لفنها، وظلت أمنية الصادقة في كل ما قدمت”.







