بقلم رنده صباحي.
لم تعد الثقافة تصل إلى الجمهور بالطريقة التي اعتدناها.
لم يعد الكتاب وحده بوابة المعرفة، ولا المعرض هو الطريق الوحيد لاكتشاف الفن، ولا الناقد هو الصوت الذي يحدد ما يستحق الاهتمام. هناك لاعب جديد دخل المشهد بهدوء، لكنه أصبح حاضراً في تفاصيل يومنا أكثر مما نتخيل: الخوارزمية.
نفتح الهاتف بحثاً عن شيء محدد، فنجد أمامنا أشياء لم نطلبها. نشاهد مقطعاً لثوانٍ، فتظهر مقاطع أخرى تشبهه. نتوقف أمام فكرة، فتبدأ المنصة في بناء عالم كامل حولها.

وبمرور الوقت، لا تعود الخوارزمية مجرد وسيلة لعرض المحتوى، بل تصبح جزءاً من الطريقة التي نكتشف بها الثقافة ونختار ما نمنحه انتباهنا.
من هنا يمكن فهم صعود ما بات يعرف بـ«ثقافة الترند».
فالترند لم يعد مجرد موضوع شائع يظهر لبضع ساعات ثم يختفي، وإنما أصبح آلية لصناعة الاهتمام. فكرة صغيرة يمكن أن تبدأ من حساب غير معروف، ثم تنتقل إلى آلاف الحسابات، وبعدها تدخل إلى صفحات المشاهير والمؤسسات الإعلامية، لتتحول في وقت قصير إلى موضوع عام.
لكن المفارقة أن الانتشار لا يعني دائماً القيمة.
قد يحقق مقطع بسيط ملايين المشاهدات، بينما يظل عمل فني مهم بعيداً عن دائرة الضوء. وقد تختفي فكرة عميقة لأنها لا تمتلك الجاذبية السريعة التي تحتاجها المنصات، في حين تستمر مادة أخرى لأنها أكثر قدرة على إثارة الفضول أو الضحك أو الجدل.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
عندما يصبح عدد المشاهدات هو أول ما نراه، يمكن أن تختلط الشهرة بالقيمة، والانتشار بالجودة، والضجة بالأهمية.
ولا يعني ذلك أن الثقافة الرقمية سطحية بطبيعتها. على العكس، فقد منحت الإنترنت للفنان والكاتب وصانع المحتوى فرصاً لم تكن متاحة من قبل، وفتحت الأبواب أمام أصوات جديدة لم تكن تجد طريقها بسهولة إلى الجمهور.
لكن المسألة تتعلق بالقواعد الجديدة للظهور.
فالمحتوى الرقمي يعيش في سباق دائم مع الوقت. الجملة يجب أن تكون سريعة، والصورة لافتة، والفكرة قابلة للمشاركة، والمقطع قادراً على الاحتفاظ بالمشاهد منذ الثواني الأولى.
وفي هذا المناخ، يتغير شكل التلقي نفسه.
أصبح جزء من الجمهور معتاداً على الحصول على المعلومة في صورة مختصرة، وعلى مشاهدة العمل في مقطع، وعلى معرفة الكتاب من اقتباس، وعلى اكتشاف الأغنية من ثوانٍ قليلة.
وهنا يظهر جيل جديد لا يكتفي باستهلاك الثقافة، بل يعيد إنتاجها.
فقد يتحول مشهد سينمائي قديم إلى مادة رائجة، وتعود أغنية من سنوات بعيدة إلى الواجهة بسبب مقطع قصير، وتنتقل عبارة من مسلسل إلى لغة يومية يستخدمها الآلاف، ثم تختفي بعد أيام لتحل محلها عبارة أخرى.
هذه السرعة صنعت ثقافة متحركة باستمرار.
ثقافة لا تمنح الأشياء وقتاً طويلاً للاستقرار، ولا تترك المسافة نفسها التي كانت متاحة أمام المتلقي في الماضي للتأمل والمقارنة والبحث.
ومع ذلك، ربما يكون من الخطأ أن نتعامل مع هذا التحول باعتباره نهاية الثقافة التقليدية.
الأدق أنه إعادة توزيع للأدوار.
فالكتاب ما زال موجوداً، والفيلم ما زال موجوداً، والمسرح والفن التشكيلي والموسيقى ما زالت قادرة على التأثير، لكن الطريق إلى الجمهور أصبح أكثر تعقيداً.
قد يكون الترند هو الباب الأول، لكنه ليس بالضرورة المكان الذي تنتهي عنده الرحلة.
وهنا تقع مسؤولية الجمهور نفسه.
فالخوارزمية تقترح، لكنها لا تجبرنا على التوقف عند كل ما تقترحه. تستطيع أن تلفت انتباهنا، لكنها لا تستطيع أن تحدد وحدها ما الذي يستحق أن يبقى في ذاكرتنا.
لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل أصبحت الخوارزميات تصنع ثقافتنا؟
السؤال الأهم هو: هل سمحنا لها بأن تختار بالنيابة عنا؟
في النهاية، يمكن للترند أن يصنع لحظة، لكن الثقافة هي التي تصنع الأثر.
قد يملأ محتوى ما شاشاتنا اليوم، ثم لا نتذكره غداً. وقد نمر على فكرة هادئة دون ضجيج، لكنها تظل معنا سنوات.
وهنا تحديداً يظهر الفارق بين ما يلفت الانتباه وما يستحقه.
في عصر تتحرك فيه الأشياء بسرعة غير مسبوقة، ربما أصبحت مهمتنا الثقافية الجديدة هي أن نتعلم كيف نبطئ قليلاً، وننظر أبعد من شاشة الترند، ونمنح القيمة فرصة قبل أن نحكم عليها بعدد المشاهدات.
لأن الذائقة التي نريدها في المستقبل لن تصنعها الخوارزميات وحدها.
نحن أيضاً شركاء في صناعتها.



